Home مقالات أهمية التمويل الإسلامي للمشروعات الصغيرة وانعكاساته على الاقتصادات العربية (١)

أهمية التمويل الإسلامي للمشروعات الصغيرة وانعكاساته على الاقتصادات العربية (١)

by admin

الحلقة الأولى

 

تعد تنمية المشروعات الصغيرة توجهًا استراتيجياً لدى دول العالم كافة، باعتبارها أهم روافد التنمية، والمحرك والدافع الرئيس لعجلة الاقتصاد، والذي قامت على أساسه جميع الاقتصادات، سواء بالنسبة للدول المتقدمة أم الدول النامية، كما تمثل المشروعات الصغيرة النواة الحقيقية، وأهم دعائم قيام المشروعات الكبيرة؛ حيث أوضحت دراسة لهيئة المشروعات الصغيرة في الولايات المتحدة أن أكثر من نصف الابتكارات الفنية التي قُدمت في القرن العشرين بدأت بمشروعات صغيرة، وبالتالي فالمشروعات الصغيرة هي مصدر الإبداعات التكنولوجية التي يشهدها العالم الآن.

د‭. ‬نوال‭ ‬عبد‭ ‬المنعم – باحثة‭ ‬اقتصادية

والمشروعات الصغيرة تسهم بنحو 50% من الناتج المحلي الإجمالي للدول مرتفعة الدخل حسب ما جاء في تقرير مؤسسة «دويتشه بنك» للأبحاث عن عام 2019م، ففي قارة أوروبا التي تضم 27 دولة أوروبية، تبلغ نسبة المشروعات الصغيرة والمتوسطة في قطاع الأعمال غير المالي نحو 99.8% من إجمالي 20 مليون منشأة، وفي الصين تُسهم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في 67% من الناتج المحلي، و53% في إندونيسيا، و48% في سنغافورة، وفي هولندا تمثل مساهمتها في الأنشطة الدولية 38%، كما تعتبر هذه المشروعات شريكاً تجاريًّا مهمًّا تبلغ مساهمته 25% من إجمالي صادرات ألمانيا، وفي الدول المتضمنة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنموي، يعمل نحو 75% من إجمالي العمالة المسجلة رسميًّا في المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والتي تلعب دورًا مهمًّا في التنمية الاقتصادية بوجه عام، وفي التنمية الصناعية على وجه الخصوص، فهي تمثل العمود الفقري بالنسبة للقطاع الخاص، وتشكل ما يزيد على 90% من مجموع المشروعات في العالم.

كما تسهم المشروعات الصغيرة في توفير 4 من كل 5 فرص عمل جديدة في الاقتصادات الناشئة، إلى جانب مساهمتها بنسبة تشغيل أكثر في البلاد منخفضة الدخل مقارنة بالبلاد مرتفعة الدخل؛ حيث تُسهم هذه المشروعات بما يزيد على 50% من فرص العمل، كما يُسهم القطاع الرسمي منها أيضًا بنحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي لهذه الاقتصادات، ومن ثم يمثل قطاع المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر بارقة أمل حقيقية لتنمية ونهضة الاقتصادات العربية التي يعاني معظم سكانها من الفقر وانخفاض مستوى المعيشة.

تسهم‭ ‬المشروعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬4‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬5‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الناشئة

وفي هذه الدراسة تبرز الكاتبة أهمية دور التمويل الإسلامي في تمويل المشروعات الصغيرة، كما تقدم عدداً من النماذج الناجحة للتمويل الأصغر الإسلامي. وفي هذه الدراسة تبرز الكاتبة أهمية دور التمويل الإسلامي في تمويل المشروعات الصغيرة، كما تقدم عدداً من النماذج الناجحة للتمويل الأصغر الإسلامي.

أهمية‭ ‬التمويل‭ ‬الإسلامي‭ ‬للمشروعات‭ ‬الصغيرة

على الرغم من الأهمية الكبيرة للمشروعات الصغيرة فإنها ماتزال تعاني من مشكلة الحصول على التمويل، أو أن الحصول على التمويل بالطرق التقليدية عالي التكلفة ويحتاج إلى كثير من الضمانات للحصول عليه، والتي لا تتلاءم مع إمكانات أصحاب هذه المشروعات، وإن كل الجهود التي تمَّت، خاصة في الدول النامية للتغلب على هذه المشكلة، لم تتعدَّ محاولات تقديم الدعم أو تخفيض أسعار الفائدة، في حين يملك التمويل الإسلامي العديد من الأدوات والصيغ التي تتلاءم مع طبيعة هذه المشروعات، والتي تغطي جانبًا كبيرًا من أنواع المشروعات المختلفة، وتتلاءم مع الاحتياجات التمويلية للمستثمرين، سواء كان المستثمر صغيرًا أو كبيرًا، وهي بهذا تُخالف نظام التمويل الوضعي الذي لا يخرج -وإن تعدَّدت صُوره – عن صورة التمويل بفائدة، ومع ذلك ما زال هذا الدور محدودًا جدًّا.

وفي هذه الدراسة تتناول الكاتبة أهمية دور التمويل الإسلامي في تمويل المشروعات الصغيرة، كما تقدم عدداً من النماذج الناجحة للتمويل الأصغر الإسلامي.

أهمية‭ ‬المشروعات‭ ‬الصغيرة

تعد المشروعات الصغيرة قاطرة التنمية الحقيقية وبارقة أمل يُرجى منها الكثير في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للاقتصادات العربية، كما يمثل التمويل الإسلامي بديلًا ملائمًا لتمويل المشروعات الصغيرة؛ حيث يمتلك القدرة على تمويل هذه المشروعات باحتوائه على مجموعة من الصيغ والأساليب التمويلية، التي تمتلك من المرونة ما يمكنها من تلبية جميع الاحتياجات التمويلية للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، فضلًا عن اهتمامها بالفقراء ممن هم الأكثر حاجة للتمويل، والأقل ملاءةً مالية، والمحرومون من الخدمات المالية والمصرفية الرسمية.

لقد تراجعت معدلات التنمية الاقتصادية في معظم بلدان العالم؛ نتيجة جائحة كورونا من ناحية، وتزايدت أهمية المشروعات الصغيرة من ناحيةٍ أخرى لقدرتها على امتصاص حالات الركود الاقتصادي والبطالة التي تفشت بشكل كبير نتيجة فقد الملايين من العمالة لوظائفهم.

ما‭ ‬تزال‭ ‬المشروعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬مشكلة‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬التمويل‭ ‬اللازم

وتكمن أهمية البحث أيضًا في الاستفادة من تجارب وخبرات الدول الأخرى في تفعيل دور المشرعات الصغيرة وتحقيق الأثر التنموي منها، وهو ما يعزز أهمية الاعتماد على هذه المشروعات في الوقت الراهن في تحقيق معدلات التنمية المنشودة وبث روح الأمل من جديد.

أهمية‭ ‬المشروعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬للاقتصادات‭ ‬العربية‭ ‬

سوف نحاول هنا إظهار أهمية المشروعات الصغيرة في الحد من الفقر والبطالة بالنسبة للمنطقة العربية، وبالتالي دورها في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وأهم خصائصها.

أولًا – تحديات البطالة في الدول العربية:

يوضح «مؤشر الفقر متعدد الأبعاد لعام 2019» الذي أصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أنه في 101 دولة تمت دراستها (من بينها 31 دولة بدخل قومي منخفض، و68 بدخل متوسط، ​​و2 بدخل قومي مرتفع) هناك 1.3 مليار شخص يعانون الفقر «متعدد الأبعاد»(1).

وقد جاء في تقرير صندوق النقد العربي لعام 2019 – 2020، أن معدل البطالة في الدول العربية بلغ 10%، وهو ما يعادل ضعف المتوسط العالمي البالغ 5.4 %،  وفق تقديرات البنك الدولي،  وأن المشكلة تزداد حدتها نتيجة تركز البطالة في أوساط الشباب في الشريحة العمرية (15- 24 سنة)؛ حيث بلغ معدل بطالة الشباب في الدول العربية 26.1% في عام 2018،  بما يعادل ضعف معدل بطالة الشباب على مستوى العالم البالغ  13.2%، بينما بلغت بطالة الشباب بين أوساط الإناث في الدول العربية حوالي 40% مقابل 15% في المتوسط العالمي،  وهو ما يحد من آفاق النمو في الدول العربية ويضعف من معدل نمو العمالة والسكان النشطين اقتصادياً ويعطل الطاقات الإنتاجية الحالية. كما أشار التقرير إلى أن الدول العربية بحاجة إلى 60 مليون وظيفة جديدة للإبقاء على مستويات بطالة الشباب عند مستوياتها الحالية(2).

كما توقع تقرير منظمة العمل الدولية أن تؤدي أزمة وباء فيروس كورونا المستجد إلى إلغاء 6.7  بالمئة من إجمالي ساعات العمل في العالم في النصف الثاني من عام 2020،  أي ما يعادل 195 مليون وظيفة بدوام كامل، من بينها 5 ملايين في الدول العربية(3).

وبجانب الإحصاءات، يوجد بالمنطقة العربية العديد من الأسباب التى تؤدي إلى البطالة، منها: عدم الاستقرار السياسي، ونزوح اللاجئين، والتي أدت إلى خسائر اقتصادية تجاوزت 900 مليار دولار، فضلاً عن جمود التطور الأقتصادي، وبطء معدلات النمو، وهي مشكلات ترتبط بسوء مخرجات التعليم،  وسوء الربط بينها وبين احتياجات سوق العمل وثقافة الإنتاج.

صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬يحذر‭ ‬من‭ ‬احتمال‭ ‬إفلاس‭ ‬الشركات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬الجاري‭ ‬بسبب‭ ‬‮«‬كورونا‮»‬

وحسب دراسة لصندوق النقد الدولي، يتوقع أن يتضاعف معدل إفلاس الشركات الصغيرة والمتوسطة من 4% إلى 12% بسبب تفشي فيروس كورونا، وحذرت من أن معدل إفلاس الشركات الصغيرة والمتوسطة قد يتضاعف ثلاث مرات في العام الجاري، في غياب الدعم الحكومي الكافي(4).

ثانيًا – أهمية المشروعات الصغيرة في تحقيق التنمية الاقتصادية وأهم خصائصها:

يمكن القول إن اهتمام الدول، سواء النامية أو المتقدمة بالمشروعات الصغيرة ينبع من أهميتها الاقتصادية والاجتماعية، والتي تتضح أكثر من خلال خصائصها ومميزاتها(5).

1- أهمية المشروعات الصغيرة في التنمية الاقتصادية:

لا شك أن المشروعات الصغيرة تقوم بدور مهم في التنمية الاقتصادية بوجه عام، وفي التنمية الصناعية على وجه الخصوص، فهي تمثل العمود الفقري بالنسبة للقطاع الخاص، وتشكل ما يزيد على نسبة 90% من مجموع المشروعات في العالم، وتسهم بنسبة ما بين 50-60% من الاستخدام، وتسهم المشروعات العاملة منها في قطاع الصناعات التحويلية بنسبة ما بين 40-80% من الاستخدام في هذا القطاع. وفي البلدان الأقل نموًّا هي بؤرة اهتمام منظمة «يونيدو»، وتزداد أهمية دور تلك المشروعات على اعتبار أنها تمثل الآفاق الواقعية الوحيدة لنمو الاستخدام والقيمة المضافة.

وينطبق الوضع نفسه على بلدان التحول الاقتصادي، حيث بدأت المؤسسات الحكومية الكبيرة عديمة الكفاءة تفسح المجال لتحل محلها مشروعات خاصة أصغر حجمًا، وأكثر كفاءة.

خصائص ومميزات المشروعات الصغيرة(6):

– تسهم المشروعات الصغيرة (من خلال توليد الدخول) في تشجيع المدخرات التي يمكن أن توجه نحو الاستثمارات الإنتاجية.

– تسهم في تلبية احتياجات وطلبات المستهلكين عن طريق تنويع المنتجات بما يتناسب مع تلك الاحتياجات وأذواق المستهلكين(7).

– تقوم هذه المشروعات باستخدام تكنولوجيا أقل تناسب الظروف المحلية، ولا تحتاج إلى استيراد تكنولوجيا من الدول المتقدمة.

– التكامل بين الهياكل الاقتصادية؛ حيث تقوم المشروعات الصغيرة بإنتاج المكونات والأجزاء التي تحتاج إليها الصناعات الكبيرة (الصناعات المغذية)؛ مثال ذلك «شركة جنرال موتورز التي تتعامل مع أكثر من 37 ألفًا من المشروعات الصغيرة لتزودها بالبضائع والخدمات المختلفة»(8).

– تعتبر هذه المشروعات من المجالات الخصبة لتطوير الإبداعات والابتكارات والأفكار الجدية، بل إنها تُعتبر حاضنة للمهارات والإبداعات الجديدة؛ ففي اليابان يُعزى 52% من الابتكارات إلى أصحاب هذه المشروعات.

– تعد أداة فاعلة في توسيع القاعدة الإنتاجية عند تطبيق استراتيجيات دعم الصادرات وإحلال الواردات، مما يسهم في علاج الاختلالات الهيكلية لموازين المدفوعات، وخاصة في الدول النامية(9).

– إعادة التوزيع الجغرافي للنشاط الاقتصادي داخل الدولة الواحدة، فصغر حجم المشروع ومحدودية إمكاناته يعطيه فرصة التوطن خارج المدن الكبرى، مما يحقق الاستقرار الكافي والتوزيع المتوازن للسكان بين الريف والحضر(10).

– زيادة عدد المشاركين في مكاسب التنمية، مما يحقق العدالة في توزيع الثروة وتقريب الهوّة بين الفقراء والأغنياء.

– تقوم المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر بدور مؤثر في دعم الناتج المحلي؛ لكونها تعتمد على المواد الخام المحلية في أغلبها من زراعية وصناعية.

– تقوم المشروعات الصغيرة بالمساهمة في تكوين قاعدة عريضة من العمال المهرة المدربين، أي أنها تسهم في تنمية الموارد البشرية وتطويرها.

– تتماشى مع ظاهرة وفرة العمل وندرة رأس المال؛ لأنها تستخدم فنون إنتاج بسيطة، وتعتبر كثيفة العمل، وهذا ما يتناسب مع قدرات البلدان النامية بصفة عامة، والعربية بصفة خاصة.

– تسهم في محاربة الفقر بتوفير فرص عمل عديدة للمرأة والشباب النازحين من المناطق الريفية غير المؤهلين للانضمام إلى المشروعات الكبيرة والقطاع المنظم بصفة عامة.

ثالثاً – دور المشروعات الصغيرة بالنسبة للاقتصادات العربية:

تمثل المشروعات الصغيرة أهمية كبيرة بالنسبة للدول النامية عامة والعربية خاصة؛ حيث تُعد المشروعات الصغيرة هي الأكثر عددًا بالمقارنة بعدد المشروعات الكبيرة، والأكثر توظيفًا للعمالة، والأقل تكلفة في توفير فرص العمل، كما تعد صاحبة الدور الأكبر في تلبية احتياجات السكان المحلية من السلع والخدمات بأسعار تتوافق مع قدراتهم الشرائية، والأكثر اعتمادًا على الخامات الموجودة في البيئة المحلية، والأكثر استخدامًا للتكنولوجيا المحلية؛ مما يزيد من القيمة المضافة لديها.

كما أنها توفر البديل المحلي لكثير من السلع المستوردة، وتعمل على تطوير وتنمية الطاقات  البشرية، وهي مزايا تتوافق مع ظروف المنطقة العربية التي تعاني من ارتفاع معدلات البطالة، ومن الاتجاه إلى الخصخصة، وما ينتج عنها من الاستغناء عن أعداد كبيرة من عمالة المشروعات التي تتم خصخصتها في المنطقة العربية(11).

المشروعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬ومتناهية‭ ‬الصغر‭ ‬تقوم‭ ‬بدور‭ ‬مؤثر‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي

ويرتبط الجانب الاقتصادي لتلك المشروعات بجانب اجتماعي مهم، من حيث قدرتها على تحقيق التوازن الاجتماعي والاقتصادي (بين الوظائف المكتبية، والوظائف الإنتاجية)، وتنمية القدرات الذاتية للحرفيين، ورفع نسبة مشاركة الإناث في النشاط الاقتصادي، كما تعمل على دعم فكر الاعتماد على الذات في تنمية الاقتصاد القومي، وتغيير فكر الخريجين من العمل في الوظائف، سواء الحكومية أو غيرها، إلى العمل الحر الاستثماري(12).

وقد أوضح تقرير المجموعة الاستشارية لمساعدة الفقراء(13) (CGAP)، أنه يوجد ما يزيد على 2.8 مليون عميل نشط اقتصاديًّا، بإجمالي محفظة قروض تزيد على ملياري دولار، وعلى الرغم من ذلك، فإن نحو 60% من عدد البالغين في البلدان النامية، أغلبهم لا يستطيعون الوصول إلى مصادر التمويل الرسمية، وأنه مازال هناك فرصة كبيرة للتوسع في الشمول المالي بالبلدان النامية في المنطقة العربية، وبشكل خاص فيما بين الشباب والنساء.

ومن ثم فإن هذه المشروعات قادرة على أن تسهم وبشكل فعَّال في إعادة تقويم وهيكلة الإنتاج في العديد من الدول العربية؛ فهي تمثل الأساس الذي تقوم عليه التنمية الشاملة، حيث تقوم بتشغيل عدد كبير من الأيدي العاملة، وتسهم في الحد من تفاقم ظاهرة البطالة مما يحقق التوازن الإقليمي للتنمية الشاملة.

ففي مصر – على سبيل المثال – يبلغ عدد المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بما فيها المشروعات متناهية الصغر، أكثر من 2.5 مليون مشروع، تمثل حوالي 99% من مشروعات القطاع الخاص غير الزراعي، تسهم في 80% من الناتج المحلي الإجمالي، وتغطي نحو90% من التكوين الرأسمالي وتستوعب حوالي 75% من فرص العمل، ويدخل سنويًا 39 ألف مشروع جديد مجال الإنتاج، كما تسهم المشروعات الصناعية الصغيرة بنحو 13% من قيمة الإنتاج الصناعي والمنشآت المتوسطة بنحو 46% والمشروعات الكبيرة بنحو 41%(14).

وفي المملكة العربية السعودية تشكل المشروعات الصغيرة نحو 74% من إجمالي عدد الشركات، وتستوعب نحو نصف إجمالي العمالة، وتسهم بنحو 33% من الناتج المحلي بها. كما  تمثل ما نسبته 93.1% من إجمالي عدد المؤسسات بالإمارت العربية المتحدة، وتسهم في توظيف نحو 85% من القوى العاملة في دولة الإمارات العربية، وهو ما يسهم بنحو 30% من الناتج المحلي، بينما تمثل في قطر والبحرين نحو 78.3% و91.7% من عدد الشركات، في حين تشكل في دولة الكويت 75.1% من عدد الشركات.

تجارب‭ ‬دولية‭ ‬في‭ ‬التمويل‭ ‬الأصغر‭ ‬وأهم‭ ‬ملامحها‭ ‬

يعد التمويل الأصغر إحدى أدوات الحد من الفقر التي توفر الخدمات المالية للفقراء ومنخفضي الدخل المستبعدين من الأنظمة المالية الرسمية بسبب ظروفهم الاقتصادية المتدنية، حيث يستطيع أن يوفر لهم خدمات مثل الائتمان ورأس المال المخاطر والادخار والتأمين وتحويل الأموال، مما ييسر من مشاركة ذوي الظروف المالية المحدودة للغاية، ويساعد توفير الخدمات المالية للفقراء على زيادة الدخل الأسري والأمن الاقتصادي وبناء الأصول والحد من الضعف المالي.

أولًا – تجربة جرامين بنك:

رغم محدودية وصول التمويل إلى الفئات المستهدفة في الدول النامية، فإن التجربة أثبتت نجاح برامج التمويل الأصغر في القضاء على الفقر بشكل مذهل، حيث تعد تجربة بنك «جرامين»(15) أبرز التجارب وأنجحها، فخلال أول عامين من إنشاء البنك عام 1983م كان القائمون على العمل عددًا محدودًا من المتطوعين، كما أن المستفيدين لم يتعدوا المائة، وبحلول عام 1987م وصل عدد فروع البنك إلى 300 فرع في قرى بنجلاديش، وساعد أكثر من 250 ألف مقترض من الفقراء، كما وصل حجم القروض في بنك جرامين إلى ما يقرب من ملياري دولار (حسب تقرير مصرف جرامين – ديسمبر 1998م) يتم إقراضها إلى نحو 2.5 مليون من الفقراء، 96% منهم من النساء، وقد حقق البنك انتشارًا غير مسبوق، حيث وصل عدد الفروع داخل بنجلاديش إلى 1137 فرعًا تغطي 39045 قرية بنسبة سداد وصلت إلى 98%(16).

تسهم‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تقويم‭ ‬وهيكلة‭ ‬الإنتاج‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬تفاقم‭  ‬مشكلة‭ ‬البطالة

ورغم النجاح الكبير الذي حققه بنك جرامين فإنه يُعاب عليه أن معدل الفائدة على القروض وصل إلى 20%، وهذه نقطة ضعف قد تعوق استمرار أنشطة البنك، كما أنها تعد مخالفة صريحة لقواعد التمويل الإسلامي الذي لا يتعامل بالفائدة، وإنما يستخدم آليات متوافقة مع الشريعة الإسلامية.

ثانيًا – بنك راكيات إندونيسيا:

يُعد بنك «راكيات» في إندونيسيا من أكبر مؤسسات التمويل متناهي الصغر في العالم، ويتراوح حجم القروض التي يقدمها البنك بين 200 دولار و2500 دولار بمتوسط يبلغ نحو 434 دولارًا أمريكيًّا، وقد استطاعت شبكة الوحدات القروية في بنك «راكيات» تحقيق النجاح المطلوب بعد ثمانية عشر شهرًا فقط من العمل(17).

ثالثًا – نموذج بنك القرية:

ينتشر هذا النموذج في أمريكا اللاتينية وأفريقيا، وتقوم فكرته على أساس قيام هيئة تنفيذية ببناء بنوك القرية الفردية التي تضم من 30- 50 عضوًا، وتوفر الهيئة من خلال هذه البنوك قروضًا للأفراد الأعضاء، ويتم سدادها أسبوعيًّا لمدة 4 شهور، وهو الوقت ذاته الذي يعيد فيه بنك القرية أصل الدين زائد الفائدة إلى الهيئة التنفيذية، وفي حالة سداد البنك لقروضه كاملة يكون مؤهلًا لمزيد من القروض، ويعمل الضغط الذي يمارسه زملاء المجموعة على ضمان السداد الكامل للدَّين، وتراكم المدخرات، وبالتالي منح المزيد من القروض. وهناك نماذج أخرى للتمويل الأصغر التقليدي، ولكن يعد «جرامين بنك» ونموذج «بنك القرية» هما الأشهر والأكثر تنظيمًا(18).

رابعًا – التجربة المصرية:

بالنسبة لتجربة مصر فقد بدأت برامج التمويل الأصغر بنهاية الثمانينيات من القرن الماضي، من خلال البنك الوطني للتنمية (أبوظبي الإسلامي حاليًا)، وجمعية رجال أعمال الأسكندرية، بدعم مالي وفني من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ثم توالى ظهور مؤسسات التمويل الأصغر التي تقدم برامج ائتمان لهذا القطاع بدعم مالي وفني من عدد من الجهات المانحة بالتعاون مع المعهد المصرفي المصري والصندوق الاجتماعي للتنمية.

وفي عام 2014، بلغ عدد العملاء النشطين نحو 1.6 مليون عميل، ومع ذلك قدر بنك الاستثمار الأوروبي الفجوة في عرض الائتمان الأصغر بنحو 90% (بحسب ما ورد بتقرير بنك الاستثمار الأوروبي لعام (2014م)(19).

وعلى الرغم من قيام الدولة بإصدار قانون 141 لسنة 2014 بتنظيم التمويل متناهي الصغر، والذي تضمن وضع تعريف للتمويل متناهي الصغر، وإطلاق مبادرة البنك المركزي المصري بتخصيص البنوك نحو 20% من محافظها الائتمانية للمشروعات متناهية الصغر بمعدل فائدة 5%، فإن فرصة حصول المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر في مصر على التمويل من المصادر الرسمية كان يقدر بأقل من 10% من إمكاناته الفعلية، كما لا تتجاوز نسبة التمويل المصرفي (سواء البنوك التقليدية أو الإسلامية) لقطاع المشروعات الصغيرة نسبة 8% من إجمالي محافظها(20).

التمويل‭ ‬الأصغر‭ ‬يمثل‭ ‬إحدى‭ ‬أدوات‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬الفقر‭ ‬التي‭ ‬توفر‭ ‬الخدمات‭ ‬المالية‭ ‬للفقراء‭ ‬ومحدودي‭ ‬الدخل

كما جاء في تقارير سنابل (شبكة التمويل الأصغر للبلدان العربية)، أن عدد عملاء قطاع التمويل الأصغر في مصر فقط نما منذ عام 2014 بنحو 200%، والتمويلات نمت بنسبة 500%، وتوقعت بلوغها 20 مليار جنيه بنهاية 2020، إلا أن قيمة التمويل الممنوحة تظل متواضعة، بالنسبة لحجم الفقر والاحتياجات الفعلية لهذه الفئات.

– تمثل المشروعات الصغيرة نحو 13% من قيمة الإنتاج الصناعي مقارنة بنحو 46% للمشروعات المتوسطة.

– تصل نسبة مساهمتها في إجمالي الصادرات المصرية لنحو 4%، وتمثل هذه النسبة نحو 60% في الصين، و56% في تايوان، و70% في هونج كونج، و43% في كوريا الجنوبية، وهو ما يؤكد القدرات الكامنة غير المستغلة للصناعات الصغيرة في مصر، والتي تلعب دورًا حاسمًا في زيادة الصادرات المصرية.

خامسًا – أهم ملامح التمويل الأصغر التقليدي:

أصدرت المجموعة الاستشارية لمساعدة الفقراء، بموافقة جميع أعضائها الثلاثين من الجهات التنموية والمؤسسات الخاصة، المبادئ الأساسية للتمويل متناهي الصغر، والتي اعتمدت من الدول الأعضاء في مجموعة الثمانية في عام 2004 كجزء من التزامهم بزيادة الوصول للتمويل متناهي الصغر. وتتمثل هذه المبادئ في مجموعة «محفزات» تهدف إلى تأكيد مفهوم أن التمويل متناهي الصغر المستدام يسهم في الحد من العجز المالي والفقر، كما تركِز هذه المبادئ على مساعدة الفقراء ومحدودي الدخل في التخلص من مستنقع الفقر وزيادة مستوى الدخول وتحسين معيشتهم، وعلى الجانب الآخر هناك عدد من المآخذ التي تعد من أهم معوقات التمويل الأصغر، وكل من هذه المحفزات والمعوقات تمثل في مجملها أهم ملامح التمويل الأصغر، وهي كما يلي(21):

المحفزات:

– تقديم الخدمات المالية لفئة الفقراء المستبعدين من الاستفادة من الخدمات المصرفية.

– استهداف الفقراء بالدعم المالي الذي يزيد دخول الأفراد ويدمجهم في النظام المالي الرسمي.

توجيه الدعم المالي إلى المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر لتكوين قاعدة بشرية منتجة.

– توسيع مفهوم التمويل الأصغر من مجرد تقديم القروض إلى تقديم خدمات مالية مختلفة مثل تشجيع الادخار والتأمين وتحويل الأموال.

– يعد التمويل الأصغر أداة قوية للحد من الفقر؛ حيث يسهم في رفع مستوى المعيشة وبناء الأصول والحماية من المخاطر.

– محدودية مبالغ التمويل تمكن الجهات التي تقدم خدمات التمويل من الوصول لأكبر عدد ممكن من أفراد المجتمع.

– يسهم التمويل الأصغر في بناء المؤسسات المالية التي تستطيع جذب المدخرات المحلية وإعادة تدويرها من خلال تقديم القروض.

المعوقات(22):

– استخدام آلية واحدة للتمويل، وهي القرض بفائدة.

– ارتفاع الفائدة المفروضة على القروض الممنوحة مما يعيق توسيع الاستفادة ويحد من الائتمان المعروض.

– معظم التجارب لمؤسسات مانحة، وبالتالي قصور دور الحكومات في تقديم الدعم للمؤسسات المانحة وتوفير البيئة المناسبة لتوسيع حجم الاستفادة لمزيد من الفقراء.

– التركيز على تقديم التمويل وإهمال بناء القدرات الإدارية والتسويقية.

– غياب دور حاضنات ومسرعات الأعمال، والذي يعني غياب التوجيه والإرشاد والتدريب.

– قيام معظم التجارب على أساس خيري وإهمال الجانب الربحي يحد من الاستدامة للمؤسسات المانحة.

– غياب نماذج قياس الأداء للتمويل الأصغر ولجاهزية أصحاب المشروعات يؤدي إلى التخبط والفشل لكثير من المشروعات.

– غياب منهجية لقياس المخاطر التي تحيط بالمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر.

– معظم المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر ليس لديها سجلات مالية منتظمة أو موجودة، ولكنها غير ملائمة؛ مما يضطر مؤسسة الإقراض لاتخاذ خطوات تنظيمية تزيد من تكلفة الإقراض.

– يؤدي ارتفاع التكاليف الإدارية إلى أن تصبح مؤسسات التمويل الأصغر غير ذات جدوى اقتصادية، وهذا ما أفاده مؤشر الاعتماد على الدعم SDI)).

– يفترض أن يساعد التمويل الأصغر في زيادة مستوى الدخل، غير أنه يبدو غير مُجدٍ في بعض الحالات؛ التي يلجؤون فيها إلى الاقتراض من مصادر أخرى لسداد أقساط مؤسسة التمويل، وفقًاً لبعض الاستبيانات والدراسات(23).

المراجع

(1) https://news.un.org/ar/story/2019/07/1036611

(2) https://www.amf.org.ae/ar/content

(3) https://news.un.org/ar/story/2020/04/1052922

https://www.mubasher.info/news/3669287/ (4)

(5) لرقط فريدة، بوقاعة زينب، بروبة كاتية: دور المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الاقتصادات النامية ومعوقات تنميتها، الدورة التدريبية الدولية حول: تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتطوير دورها في الاقتصادات المغاربية ، كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير ، سطيف ،المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب – البنك الإسلامي للتنمية – جدة (25- 28 مايو 2003م)، ص4.

(6) د. محمد عبدالحليم عمر: التمويل عن طريق القنوات التمويلية غير الرسمية – الدورة التدريبية الدولية حول: تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتطوير دورها في الاقتصادات المغاربية، ص3.

(7) د. محمد البلتاجي: المصارف الإسلامية (النظرية – التطبيق – التحديات)، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، مصر 1433هـ/ 2012م،  ص139.

(8) عاصم عبد النبى أحمد البندي: المشروعات الصغيرة وأثرها فى التنمية الاقتصادية مصر أنموذجًا ،  بدون ترقيم.

rooad.net/uploads/news/3asm_3bd_alnby_a7md_albndy.doc

(9) د. محمد البلتاجي: المصارف الإسلامية (النظرية – التطبيق – التحديات)، مرجع سابق، ص139.

(10)Bain levy ,Obstacles to Developing Indigenous Small and Medium  Enterprises,an Empirical Assessment, The World Bank Economics Review, No.1 ,,1993, P-22.

(11) شامل الحموي، هيكل عبده: إنشاء وإدارة المشروعات الصغيرة، كلية التجارة، التعليم المفتوح، جامعة عين شمس، القاهرة، مصر 2010م،  ص29.

(12) علاء مصطفى عبد المقصود أبو عجيلة: التمويل الإسلامي ودوره في تمويل المنشآت الصغيرة ، رسالة ماجستير ، كلية تجارة ، جامعة عين شمس ، القاهرة – مصر ، 1435هـ/ 2014م، ص64.

(13) قاعدة بيانات المؤشر العالمي للشمول المالي “فيندكس” لعام 2017.

(14) أحمد حسن إبراهيم: دور المشروعات الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد المصري(3)، موقع الحوار المتمدن فى 8/11/2019.

(15) بدأ الدكتور محمد يونس، الحائز على جائزة نوبل عام 1976م مشروعًا بحثيًّا عمليًّا لاستكشاف إمكانات تصميم نظام تمويل مصرفي يصلح للفقراء من أهل الريف، بما يجنبهم استغلال المُرابين، ويتيح لهم فرص العمل الذاتي بما يتناسب مع ظروفهم الاجتماعية، وقد بدأ مشروع التحول إلى مصرف مستقل باسم (مصرف جرامين) في سبتمبر عام 1983م، وقد أسهمت الحكومة فيه بنسبة 60٪ من رأس المال المدفوع، بينما كانت الـ40٪ الباقية مملوكة للفقراء المقترضين، ليكون بذلك أول مصرف في العالم يقوم بتوفير رءوس الأموال للفقراء في صورة قروض دون ضمانات مالية، وذلك تأسيسًا على الضمان الاجتماعي المنتظم في صورة مجموعات مكونة من خمسة أفراد، ووفق هذا النموذج يشكل الأفراد مجموعة صغيرة تتألف من خمسة أعضاء يشتركون في تقاسم المخاطر، وبالتالي توزيع المسؤولية بينهم، وهي طريقة فعَّالة في ضبط مخاطر التعثر وعدم السداد. انظر: عبدالمطلب عبدالحميد: بنك الفقراء والتمويل متناهي الصغر، الدار الجامعية، الأسكندرية، مصر، 2013م، ص65-66.

(16) المرجع السابق، ص66-67.

(17) المرجع نفسه، ص98.

(18) ندى عبدالحكيم محمود طبل: تقويم أدوات التمويل الإسلامي في تمويل المنشآت متناهية الصغر والصغيرة في ضوء الخبرة الدولية (الدروس المستفادة للحالة المصرية)، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، مصر، 2016م، ص28-29.

(19) المرجع السابق، ص150.

(20) د. محمد النجار: تنمية وتطوير المشروعات الصغيرة في الوطن العربى – رؤية استراتيجية، نيوبوك للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 2016م، ص53-60.

(21) الهيئة العامة للرقابة المالية https://www.fra.gov.eg/jtags/microfinance/international.html

(22) يزيد أبو الفحم: دور المشاريع الصغيرة في مكافحة الفقر والبطالة في العالم العربي، ثقافة للنشر والتوزيع، بيروت، مصر، 1430هـ/ 2009م، ص45.

(23)AHMED, H: Financing Microenterprises: An Analytical Study of Islamic Microfinance Institutions. Islamic Studies, (2002), P-9

 

You may also like

Leave a Comment