Home مقالات الإسلام والنشاط الاقتصادي (الكسب) (١)

الإسلام والنشاط الاقتصادي (الكسب) (١)

by admin

الحلقة الأولى

موقع الاقتصادي الاسلامي

د. شوقي أحمد دنيا
أستاذ الاقتصاد – عميد كلية التجارة
جامعة الأزهر (سابقاً)

لقد وجدت من المفيد أن أقدم لهذا البحث الموجز، أو لهذه الرسالة، كما كان يسميها قديماً علماؤنا – عليهم رحمة الله – بالإشارة إلى بعض الأمور، منها: لمن يوجه هذا البحث، هل يوجه إلى جميع المستويات الفكرية مع اختلاف الديانات والمعتقدات، أم إلى الباحثين في مجال الاقتصاد الإسلامي، وبالأخص من يؤلفون مؤلفات أكاديمية مدرسية فيه؟، وهل من جديد في هذا البحث؟ وأما الأمر الثالث فهو: ماذا وراء عنوان هذا البحث؟

أولاً – هذه الرسالة موجهة لمن؟

هذا البحث له توجه عام وله توجه خاص، أما التوجه العام فهو كل الناس على اختلاف مستوياتهم الفكرية وعلى اختلاف مشاربهم العلمية، بل يمكن القول على اختلاف دياناتهم ومعتقداتهم، فهو رسالة موجهة للجميع دون استثناء تحمل بياناً للهدي الإسلامي في المجال الاقتصادي في بعض جوانبه، بقدر ما أوتي صاحبه من فهم لهذا الهدي، وما وفقه الله تعالى فيه، فالجميع من البشر من حقه، بل من واجبه، أن يتعرف بقدر وسعه على هدي الله تعالى في هذا المجال الحيوي من حياته، حتى إذا وفقه الله تعالى للعمل طبقاً لهذا الهدي فليكن عمله نابعاً من علم، ومن ثم لا يعبد الله على جهل. أما التوجه الخاص فهم الباحثون في الاقتصاد الإسلامي، وبالأخص من يؤلفون مؤلفات أكاديمية مدرسية فيه، إنه دعوة لنا ولهم أن تبدأ مؤلفاتنا في هذا العلم ببيان واضح مبسط عن موقف الإسلام من النشاط الاقتصادي بياناً يكشف عن الوجه الصحيح للإسلام في هذا الشأن من جهة ويدحض ويهتك كل ما يغطي هذا الوجه من شبه وحجج زائفة من جهة أخرى. وبذلك يتزود الطالب والدارس بزاد قوي يدعمه في مسيرته الطويلة مع مباحث هذا العلم، أقول هذا لأنني رأيت ووجدت من يتصدى للكتابة في هذا الشأن عادة ما يَدِلِفُ مباشرة إلى الدخول في المباحث التقليدية المعهودة في كتب الاقتصاد وهذا – للأسف – لون من ألوان التأثر غير الحميد بالاقتصاد الوضعي، وغالباً ما يكون ذلك من غير وعي وتعمد، مع أن آثار هذا المنهج التقليدي غير حميدة على المسيرة الصحيحة للتحليل في الاقتصاد الإسلامي، وهذه الرسالة لا تحتمل الدخول في لجَّة هذه الآثار.

ثانياً – هل من جديد في هذا البحث أو تلك الرسالة؟

هذا البحث ليس جديداً، بالمعنى العلمي لكلمة جدة، لا لكاتبه ولا لغيره، لكن الواقع الذي نعيشه اليوم علماً وعملاً قد يجعل للكتابة في مثله قدراً من الجدارة بالكتابة فيه، بالإضافة إلى أن فيه، على الأقل بالنسبة لكاتبه، سواء من حيث بعض المعالجات، أو من حيث لفت النظر إلى أهمية التصدير به في جدة الكتابة في الاقتصاد الإسلامي، وبخاصة في أصوله وفي بعض فروعه مثل التنمية الاقتصادية، لأن مؤلفاتنا في غالبها تخلو من ذلك.

ثالثاً – ماذا وراء عنوان هذا البحث؟

لعل القارئ يلاحظ أن العنوان يحمل عنصرين ويشير إلى العلاقة بينهما، العنصر الأول هو الإسلام، والعنصر الثاني عبر عنه بمصطلحين هما: النشاط الاقتصادي والكسب. والأمر في حاجة إلى توضيح بسيط سريع.

بعض‭ ‬المسلمين‭ ‬ممن‭ ‬رُزقوا‭ ‬التدين‭ ‬وحُرموا‭ ‬العلم‭ ‬ظنوا‭ ‬خطأً‭ ‬أن‭ ‬الإسلام‭ ‬يهدي‭ ‬إلى‭ ‬الزهد‭ ‬ويحض‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬التعويل‭ ‬على‭ ‬الأسباب‭!!‬

أما بالنسبة للعنصر الأول وهو «الإسلام»، فينبغي، بل يجب على كل قارئ لمثل هذا البحث بل ولكل باحث في مثله، أن يكون على علم يقيني بأن ما هو مقروء أو مكتوب في هذا الشأن ليس هو الإسلام ذاته المنزَّل من الله والمبلَّغ من رسوله صلى اله عليه وسلم، وإنما هو فقط ولا شيء غيره فهم الكاتب للإسلام ولهداه في هذا المجال. ويعتري هذا الفهم وما نتج عنه من مقولات ما يعتري كل فهم بشري من نسبية الحق والحقيقة، ومن تفاوته من شخص إلى آخر في نوعيته وفي كَمِّه، وكل ذلك يخرج لنا نتيجة على قدر كبير من الأهمية وهي احتماليته للصدق والخطأ، ومن ثم إنه ومثله يدخل في محراب العلم من أوسع أبوابه من حيث اجتيازه لمعيار تعرضه للصدق والخطأ، ذلك المعيار الذي يتمسك به اليوم العلماء كمعيار وحيد للتمييز بين الكلام العلمي وغيره.

وأما بالنسبة للعنصر الثاني المترجم له بأكثر من عبارة أو مصطلح، ولعل في هذا ما يثير لدى القارئ بعض التساؤلات مثل: ما المقصود من كل ذلك؟ ولماذا كان ذلك كذلك؟

وإجابة مبسطة موجزة أقول: لقد تعمدت الجمع بينها حتى تعم الاستفادة منها. فمَن عنده من القراء خلفية معرفية بالنشاط الاقتصادي فليتعامل به في قراءاته، ومن كان عنده خلفية معرفية بمصطلح الكسب أو الاكتساب، وهو مصطلح شائع في الإسلام وفي التراث الإسلامي، في القرآن الكريم والسنة النبوية وفي كلام العلماء، فليتعامل به، ولا جناح – من وجهة نظري – في كل ذلك، وإن كان لي من خيار بين استخدام مصطلح الإنتاج وخاصة في موضوعنا الراهن ومصطلح الكسب، فتفضيلي هو التعامل مع مصطلح الكسب، لا لأنه مصطلح عربي وإسلامي فحسب، وإنما لأنه مصطلح أدق علمياً، ولتوضيح القول في ذلك مظان ومواطن أخرى. وسوف نسير في بحثنا هذا مصطحبين مصطلح «النشاط الاقتصادي».

يبقى فيما يتعلق بالعنوان ما فيه من إشارة إلى العلاقة بين الإسلام وهذين المصطلحين. وبهذا الصدد أقول: إن علاقة الإسلام بهذين المصطلحين وما تحمله من مضامين هي علاقة ممتدة طولاً وعرضاً بعرض وطول فروع علم الاقتصاد وتشعب وتنوع وتعدد مسائل كل فرع، ومجال هذه العلاقة بهذا المعنى هو كل ما يكتب في الاقتصاد الإسلامي. وبالطبع فليس هذا المعنى الممتد الشامل هو المقصود في هذه الورقة، وإنما المقصود مجرد جزئية صغيرة من عشرات الجزئيات، إنها بالاختصار التعرف على موقع النشاط الاقتصادي على خريطة موقف الإسلام من هذا النشاط، وبعبارة أوضح هي جزئية مدى أهمية هذا النشاط الاقتصادي لدى الإسلام، في ضوء اهتماماته بمجالات الحياة الإنسانية المتعددة، ما حجم ومكانة موقع هذا النشاط على خريطة اهتمامات الإسلام بمجالات حياة الإنسان؟

ونحن نحاجّ بأن للنشاط الاقتصادي أهميته الكبيرة لدى الإسلام، والكثير يتفق معناً في ذلك، وهناك من يعارض، وهناك من لا يدري من أمر هذه المسألة شيئاً.

العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الإسلام‭ ‬والنشاط‭ ‬الاقتصادي

لماذا كان بحث العلاقة بين الإسلام والنشاط الاقتصادي من هذه الزاوية المحددة سلفاً ذا أهمية؟

والجواب عن ذلك يقوم على عدة اعتبارات:

أولاً – أن النشاط الاقتصادي يعتبر دون خلاف يذكر موضوع علم الاقتصاد، وأهمية العلم، أي علم، تكمن في نظر العديد من العلماء في أهمية موضوعه(1)، وهذا البحث يكشف الضوء في حدود المتاح من قدرة ومن وقت ومكان عن أهمية هذا الموضوع في نظر الإسلام، ومن ثم أهمية ما نريد بناءه من علم للاقتصاد الإسلامي.

ثانياً – يشوب هذه العلاقة اليوم وقبل اليوم قدر غير يسير من الغموض والاضطراب، بل الاختلال من الجهة الإسلامية ومن الجهة العلمية، ومن المهم، بل الواجب، كشف هذا الغموض وإزالة هذا الاضطراب والاختلال.

أما من الجهة الإسلامية فقد ظهر في حقب عديدة من الحضارة الإسلامية اتجاه من بعض المسلمين ممن كان حظهم في التدين أكبر بكثير من حظهم في علم وفقه التدين، فظنوا أن الإسلام يهدي للزهد في الدنيا، ويحث ويحض على عدم التعويل على الأسباب، أي على ممارسة النشاط الاقتصادي، انطلاقاً من فهم خاطئ للتوكل، وانطلاقاً من عدم جدوى العمل والنشاط، في ظل فهم خاطئ لمقولة أن كل شيء مقدر ومكتوب، ومهما عمل الإنسان من عمل فلن يجدي ذلك في مواجهة المقدر والمكتوب، ويمكن أن يلحق بذلك فريق يرى أن ممارسة النشاط الاقتصادي شأن دنيوي محض يتعامل معه الإنسان بعقله وحواسه دون ما حاجة إلى دين.

وأما من الجهة العلمية فقد شاعت في الأوساط العلمية الغربية أن الإٍسلام يعرقل ويكبل النشاط الاقتصادي وانطلاقه بما فيه من تشريعات على رأسها فرض الزكاة وحظر الربا. وهذا القول من كلتا الجهتين غير صحيح وبعيد كل البعد عن حقيقة الأمر، لكن ذلك كله في حاجة إلى تحليل علمي موضوعي يكشف عن الخطأ والزيف فيه.

وهذا ما سيقوم به البحث الذي بين أيدينا إن شاء الله تعالى، في حدود قيدي الإيجاز والتبسيط، انطلاقاً من كونه رسالة موجهة لجميع الفئات والأشخاص، بغض النظر عن مدى تعمقهم في العلوم الاقتصادية والعلوم الشرعية.

في هذا المقام لا أجدنا بحاجة إلى الدخول في لجة التعريفات العلمية لكل من مصطلح النشاط الاقتصادي ومصطلح الكسب، فمظان ذلك المدونات والمؤلفات العلمية وليست البحوث الموجزة والرسائل القصيرة، ويكفينا هنا أن نقول في ذلك كلمة عامة يفهمها الجميع، وهم في غير حاجة إلى إعلامهم بها، إنها كل جهود عملية؛ فعلية كانت أو قولية، يبذلها الإنسان في سبيل الحصول على الأموال أو الاستزادة منها، بغض النظر عن مجالاتها وطبائعها(2)، ويعرف الاكتساب بأنه «تحصيل الأموال بما يخل من الأسباب»(3).

والأهم من ذلك أن نذكر القارئ بأهم خصائص هذه الجهود، ونكتفي هنا بذكر خصيصة واحدة وهي أنها جهود ذات طابع اجتماعي، وإن قام بها أشخاص طبيعيون بمفرداتهم. والمعنى أنها في جملتها كي توجد وتحدث تحتاج محيطاً اجتماعياً بغض النظر عن شكله وحجمه، فالفرد، وبخاصة في مجتمعاتنا الحديثة بل وفي كل مجتمعاته التي نشأ فيها وعاش في الماضي، لا يمارس هذه الأنشطة بمفرده مستقلاً بذاته عن كل من عداه من الأفراد والأشخاص، ولا تتم عملية اقتصادية، صغرت أو كبرت، طالت أو قصرت، دون ما عون ومساعدة  من شخص آخر، فلا ينتج بنفسه ولنفسه، ولا يكسب المال من نفسه، ولا يزرع كذلك ولا يصنع ولا يقدم خدمة ولا يبيع ويشتري من نفسه …وهكذا، اتساقاً مع حقيقة كون الإنسان اجتماعي بطبعه، وبهذا صنف علم الاقتصاد على أنه علم اجتماعي يندرج ضمن منظومة العلوم الاجتماعية.

من‭ ‬المفاهيم‭ ‬الخاطئة‭ ‬لدى‭ ‬الأوساط‭ ‬العلمية‭ ‬الغربية‭ ‬أن‭ ‬الإٍسلام‭ ‬يكبل‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬تشريعات‭ ‬اقتصادية

والمفارقة المذهلة أن التحليل في هذا العلم نحا منحى مغايراً بشكل كبير، منحى يسميه بعض الاقتصاديين الخارجين عن التيار الرئيس «منهج التشيؤ»، بمعنى أن الأشياء، والأشياء هنا هي الأموال، في مختلف صورها وأوضاعها هي سيدة الموقف، ويتوارى في الخلف اللاعبون في هذه الأموال، وأصبحنا وجهاً لوجه في معظم المسائل والقضايا في حلبة يتعامل فيها الشخص مع الأموال وفي الأموال، كما هو الحال تماماً في العلوم الطبيعية.

وهذا خلل منهجي خطير كان له أسوأ الأثر على فاعلية علم الاقتصاد في تعامله مع موضوعه، ولست هنا بصدد مناقشة هذه القضية، وإنما كل ما قصدته بإثارة هذه القضية التذكير بأن علم الاقتصاد هو علم اجتماعي، وعلى التحليل فيه أن ينضبط في سيره بذلك، ولا ينحرف عنه، وعلينا في تحليلاتنا في علمنا ألا ننحرف هذا الانحراف، ونؤكد هنا على أن النشاط الاقتصادي وإن ظهر فيه جانب تعامل الإنسان مع الأموال فإن جانب تعامل الإنسان مع الإنسان في موضوع الأموال أكثر ظهوراً، والتسليم بذلك يوصلنا إلى  نتيجة مهمة، وهي أن هذا النشاط بحاجة إلى معرفة فنية بالأموال، وبحاجة بدرجة أكبر إلى معرفة بالضوابط والأطر والقيم والتشريعات التي تحكم علاقات الإنسان بغيره من الأشخاص، ومن الواضح أن مصادر المعرفة في كلا الجانبين فيها قدر كبير من التمايز والتغاير. وفي ضوء ذلك فلا يصح استبعاد الدين كلية من هذا المجال، كما يزعم البعض، لأن للدين – أيّ دين – باعتراف العلماء، دوراً رئيساً وبخاصة في مجال الضوابط والقيم وتأسيس العلاقات والتنظيمات الإنسانية، وقد اعترف للدين – أي دين – بذلك علماء مسلمون وعلماء غير مسلمين(4).

وللدكتور جلال أمين؛ ذلك الاقتصادي الليبرالي المصري الشهير، كلمة نفيسة في هذا الشأن يؤكد فيها أن التنمية الاقتصادية تحتاج لإنجازها إلى ما هو أبعد بكثير مما يذكر في علم الاقتصاد، إنها تحتاج إلى الدين(5).

ندخل الآن في لُبِّ موضوعنا، وهو أهمية النشاط الاقتصادي في نظر الإسلام.

والمهمة هنا ذات شقين؛ جوانب ومؤشرات هذه الأهمية، ومقدمات تحتم علينا أن نقول، وقبل الدخول في التفاصيل فإن النشاط الاقتصادي يحتل في نظر الإسلام أهمية كبيرة، وقد يكون من المفضل أن نبدأ بالشق الثاني، لأنه مختصر من جهة، ويعتبر بمثابة الأصل للشق الأول من جهة أخرى.

لماذا كان علينا أن نستشعر مبدئياً أن النشاط الاقتصادي يحظى بأهمية كبيرة في الإسلام؟

لعدة عوامل أُجملها فيما يلي:

1- وظيفة الإنسان في الدنيا عبادة الله وخلافته سبحانه في تعمير الكون والأرض على الوجه الذي يريده ويرضاه، وحتى يتأتى للإنسان القيام بهذه الوظيفة فإنه بحاجة إلى توفر أشياء عديدة تشبع له حاجاته، فلكي يصلي عليه أن يرتدى ثياباً وأن يتطهر بالمياه، ولكي يحج عليه بتوفير الاستطاعة المالية والصحية …الخ، وقضت سنة الله في خلقه بأن وجود هذه الأشياء رهين بالنشاط الاقتصادي للإنسان.

2- طبيعة خلقة الإنسان، لعل أبرز عناصر خلقة الإنسان أنه مكون من جسم مادي وروح، وقد حدد الله له عمراً زمنياً يقضيه في الدنيا، واقتضت سنته تعالى أن يكون للعنصر المادي الجسماني في التكوين البشري حاجات يجب أن تشبع وإلا تعرضت حياته لخطر فقدانها، وأوكل الله تعالى للإنسان جزءاً كبيراً من توفير الأشياء التي تشبع له حاجاته، وذلك من خلال ممارسته للنشاط الاقتصادي، ولبعض العلماء كلام نفيس في توضيح هذه القضية(6). ومعنى هذا أن كلاً من وظيفة الإنسان وفطرته اجتمعتا على ضرورة ممارسة الإنسان للنشاط الاقتصادي، ففطرته في حاجة إلى إشباع حاجاته المتعددة والوظيفة المطلوب منه القيام بها تحتم إشباع حاجاته تلك، ومن أهمها حاجاته الاقتصادية.

وظيفة‭ ‬الإنسان‭ ‬وفطرته‭ ‬اجتمعتا‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬ممارسته‭ ‬للنشاط‭ ‬الاقتصادي

3- طبيعة المخلوقات المحيطة بالإنسان، أو بعبارة أوضح طبيعة الأشياء التي تمد الإنسان بما يشبع له حاجاته، حيث إنها في غالبيتها العظمى في الشكل الذي يطلق عليه الاقتصاديون «موارد» ومعناها ببساطة أنها ليست في صورة منتجات جاهزة بنفسها ودونما تدخل من قبل الإنسان، صالحة لإشباع حاجاته، سواء من حيث طبيعتها أو من حيث أماكنها بالنسبة للإنسان، ولله سبحانه وتعالى في سنته هذه حكم جليلة أشار إليها بعض العلماء. واللافت للنظر أن الله سبحانه وتعالى في تحذيره لآدم عليه السلام وهو في الجنة من اتباع الشيطان، لأن ذلك سيخرجه من الجنة، وإذا خرج من الجنة فسيشقى في توفيره لاحتياجاته الاقتصادية، قال الله تعالى: (فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ. إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ. وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ) سورة طه 117-119.

وبهذه النقطة الثالثة اكتملت زوايا المثلث الملزم للإنسان بممارسة نشاط اقتصادي. هل اكتفى الإسلام بهذا الأمر التكويني حيال الإنسان وممارسة النشاط الاقتصادي؟ لا، بل ضم له وأضاف إليه الأمر التشريعي، إشعاراً بمدى أهمية هذا النشاط في نظر الإسلام، وهذا ما حفل به القرآن الكريم والسنة المطهرة وأقوال وأفعال سلفنا الصالح وعلماؤنا الأجلاء.

وهذا ما يجعلنا وجهاً لوجه أمام الشق الآخر في القضية المتعلق ببيان الأمر التشريعي حيال جوانب ومؤشرات هذه الأهمية، والتي يكشف لنا التعرف عليها أن الأمر من الأهمية بما يجعله أهلاً لأن يقام له علم يبحث فيه عن مسائلها المختلفة.

المراجع

(1) تحدث في ذلك العديد من العلماء، منهم الغزالي في الإحياء، والمستصفى، والزمخشري في الكشاف، وابن تيمية وكثير غيرهم، ويكفي أنه بالنشاط الاقتصادي يتحصل الإنسان على الأموال التي هي بالنص القرآني هي قوام حياة الإنسان.

(2) انظر: د. أحمد محمد إبراهيم، الاقتصاد السياسي، ج1، ص3، المطبعة الأميرية، القاهرة، 1935. د. رفعت المحجوب، الاقتصادي السياسي، ج1، ص473، دار النهضة العربية، القاهرة.

(3) الإمام محمد بن الحسن الشيباني، الكسب، تحقيق: د. اسماعيل زكار، نشر عبدالهادي حرصوني، ص32، دمشق 1980م.

(4) ممن أشار إلى ذلك:

– الماوردي، تسهيل النظر، ص133، دار النهضة العربية، بيروت.

– ابن خلدون، المقدمة، ص151، 158، دار العلم، بيروت.

– إريك فروم، الإنسان بين الجوهر والمظهر، ترجمة مسعد زهران، سلسلة عالم المعرفة (140)، الكويت.

(5) د. جلال أمين، تنمية أم تبعية…، مطبوعات القاهرة 1983م، والهيئة العامة للكتاب، القاهرة 1995م.

(6) الراغب الأصفهاني، الذريعة إلى مكارم الشريعة، ص84، دار الصحوة، المنصورة، 1985م، قارن الغزالي، الإحياء، ج3، ص224.

 

You may also like

Leave a Comment