Home مقالات الإسلام والنشاط الاقتصادي (الكسب) (٢)

الإسلام والنشاط الاقتصادي (الكسب) (٢)

by admin

الحلقة الثانية

موقع الاقتصادي الاسلامي

د. شوقي أحمد دنيا
أستاذ الاقتصاد – عميد كلية التجارة
جامعة الأزهر (سابقاً)

العلاقة بين الإسلام والنشاط الاقتصادي دائماً يشوبها قدر غير يسير من الغموض والاضطراب، بل الاختلال من الجهة الإسلامية ومن الجهة العلمية، ومن الواجب كشف هذا الغموض وإزالة هذا الاضطراب والاختلال.

فقد ظهر في حقب عديدة من الحضارة الإسلامية اتجاه من بعض المسلمين؛ ممن كان حظهم في التدين أكبر بكثير من حظهم في علم وفقه التدين، فظنوا أن الإسلام يهدي إلى الزهد في الدنيا، ويحض على عدم التعويل على الأسباب، انطلاقاً من فهم خاطئ للتوكل، وانطلاقاً من عدم جدوى العمل والنشاط، في ظل فهم خاطئ لمقولة أن كل شيء مقدر.

وأما من الجهة العلمية فقد شاعت في الأوساط العلمية الغربية أن الإٍسلام يعرقل ويكبل النشاط الاقتصادي وانطلاقه بما فيه من تشريعات على رأسها فرض الزكاة وحظر الربا. وهذا القول من كلتا الجهتين غير صحيح وبعيد كل البعد عن
حقيقة الأمر.

وقد تناولنا في الحلقة السابقة من الدراسة أهمية النشاط الاقتصادي في الإسلام، وكيف أن هذا النشاط الاقتصادي يحظى بأهمية كبيرة في الإسلام. وفي هذه الحلقة سوف نشير إلى ما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة من الحث على ممارسة الإنسان للنشاط الاقتصادي والترغيب فيه.

القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬وممارسة‭ ‬الإنسان‭ ‬للنشاط‭ ‬الاقتصادي

القرآن الكريم هو المصدر الأول لبيان الإسلام وهداياته وتشريعاته للإنسان في كل جوانب حياته، قال تعالى: (ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدىً وبشرى للمؤمنين) النحل7.

ومن أهم جوانب حياة الإنسان الجانب الاقتصادي، ومن ثم كان علينا أن نوقن بداية أن في القرآن الكريم هدي في الجانب الاقتصادي، فإذا ما انطلقنا مع القرآن الكريم تلاوة ونظراً وتدبراً فسنجد مصداق ذلك متجلياً في أجلي صورة، ونحب أن نشير هنا إلى أنه كان بتوفيق من الله تعالى لنا دراسة مفصلة في هذا الشأن(7).

ومن ثم فيكفينا هنا مجرد إشارات، وبعض الأمثلة والنماذج، دون الدخول في تفصيلات من القول قد لا تحتملها هذه الرسالة، وإليك هذه الإشارات التي تكشف لك عن أهمية ممارسة الإنسان للنشاط الاقتصادي في نظر الإسلام، وعن مدى اهتمام الإسلام بقيام الإنسان بتلك المهمة.

الزكاة‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬إذكاء‭ ‬روح‭ ‬الجد‭ ‬والعزيمة‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وليست‭ ‬كما‭ ‬يزعم‭ ‬البعض‭ ‬وراء‭ ‬الفتور‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬العمل

1- انظر وتدبر في كتاب الله كم مرة ذكرت فيه الزكاة بصياغات متنوعة وفي سياقات مختلفة، وانظر وتدبر في العبارة التي عادة، بل ربما دائماً، ما تقرن بها وهي مادة الإيتاء، وعُد إلى معاجم اللغة، لعلك تحظى بمعنى هذه المادة، وسوف تجدها تجمع في بطنها عدة معان ممتزجة: إنه الإعطاء، وليس الإعطاء المجرد، وإنما هو الاعطاء الممزوج بالسهولة واليسر وسماحة النفس والحب في العطاء والاندفاع فيه، وهذا اللفظ في معرض الزكاة من أعجز إعجازات القرآن الكريم البيانية، ثم دَعْك من هذا وسَلْ نفسك متى يمكن إيتاء الزكاة؟ وأليس شرط ذلك وجود الغنى؟ وسَلْ نفسك مرة أخرى، وما السبيل المعتاد لتحقيق الغنى؟ أليس هو ممارسة النشاط الاقتصادي والنجاح فيه؟ وهل الفقير مكلف بالزكاة؟ انظر إلى أي مدى كيف جعل الإسلام النشاط الاقتصادي هو الشرط الضروري عادة لتوجيه هذا الأمر الإلهي وحمل هذا التكليف الرباني؟ وهل هناك ما يدل على أهمية النشاط الاقتصادي؟ واهتمام الإسلام أبلغ من ذلك.. ثم لنختم هذه النظرات بشيء لافت لنظر القارئ المتدبر للقرآن الكريم وهو أن القرآن الكريم في آية كريمة قرن الإيتاء بالزكاة، قال الله تعالى: (والذين هم للزكاة فاعلون) المؤمنون4، في معرض الوعد الإلهي المؤكد بفلاح فئة من الناس، من مواصفاتهم أنهم للزكاة فاعلون، وسَلْ نفسك لماذا عدل القرآن عن لفظة كان دائماً ما يستعملها إلى لفظة جديدة ومغايرة وهي الفعل؟

وقد لفتت هذه المسألة أنظار بعض العلماء(8) وقالوا فيها إن المقصود هنا ليس أداء الزكاة التي وجبت في المال المتحقق، وإنما هي إخبار من جهة وتوجيه في نفس الوقت من جهة أخرى بأن هناك فئة متميزة من الناس عند الله تسعى جاهدة وتجتهد قدر وسعها في ممارسة النشاط الاقتصادي والنجاح فيه حتى تتمكن في النهاية من القيام بهذه الفريضة، فهم يفعلون ما يفعلون من جهد في المجال الاقتصادي بدافع من الزكاة، وما كنت قبل اطلاعي على ما قيل في هذه الآية أظن أن هناك أناساً يبذلون جهودهم في المجال الاقتصادي بدافع كهذا. انظر إلى أي مدى بلغ أثر الزكاة في إذكاء روح الجد والعزيمة في ممارسة النشاط الاقتصادي، ولعل في هذا وحده رداً بليغاً على من يزعمون أن الزكاة وراء تدهور الوضع الاقتصادي والفتور في ممارسة النشاط الاقتصادي.

2- ألم يلفت نظرك وأنت تقرأ القرآن هذه الحملة الإعلامية (إن جاز التعبير) القوية المكثفة المتكررة المقدمة بأساليب متنوعة ممثلة في الدعوة للإنفاق الغيري أو الاجتماعي أو في سبيل الله ومرضاتة!! متى تتأتى إمكانية الإنفاق هذا؟ أوليس ذلك رهن توفر الأموال والمزيد منها؟ وهل هناك طريق مشروع للحصول على هذه الأموال إلا من خلال ممارسة النشاط الاقتصادي!!

ويبلغ الأمر هنا مدى أبعد من كل ما يتصور، إنه الحض والتحريض بأقوى أسلوب على قيام الإنسان بإقراض الله بعض ماله!! ألم تقرأ في أكثر من آية قوله تعالى (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة) البقرة245، وسواء أكانت هذه دعوة إلى التصدق أو إلى الإقراض بمعناه المعهود، فمن أين يقرض الإنسان الله سبحانه وتعالى؟ وكيف يتأتى القيام بهذه المهمة الجليلة عند الله؟ إنه المال الذي لا يجبى عادة إلا من ممارسة النشاط الاقتصادي.

3- ثم انظر إلى هذا الحشد الهائل من نعم الله الاقتصادية على الإنسان في مختلف سور القرآن الكريم، وعلى رأسها سورة ذكر العلماء أن لها اسماً آخر غير اسمها المشهور وهو سورة النحل، أما الاسم الآخر فهو سورة النعم(9).

هذه النعم الإلهية تقتضي، حتى يتمتع الإنسان بها ويستفيد فعلاً من منافعها، بذل الجهود الشاقة في المجال الاقتصادي، وإلا ما استفاد الإنسان منها وما كان لخلقها من حكمة الامتنان الرباني على الإنسان.

4- ولم يقف الأسلوب القرآني في دعوة الإنسان إلى ممارسة النشاط الاقتصادي عند هذا الحد، بل امتد إلى صيغة الأوامر المباشرة الصريحة، وانظر في ذلك قوله تعالى: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) الملك15، وقوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون) الجمعة 9-10، وأمرهم على لسان نبيهم صالح بعمارة الأرض: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) هود61، ويلعب النشاط الاقتصادي دوراً مؤثراً في عمران الأرض.

الكثير‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬الصحابة‭ ‬كانوا‭ ‬أغنياء‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬يتمتعون‭ ‬بمهارة‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي

5- نختم هذه الإشارات بأمر قرآني ملفت للنظر مثير للاهتمام، إنه تعبير قرآني متكرر وهو (يبتغون من فضل اللَّه) قال تعالى: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم) البقرة198، (…وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) النحل14، (عَلِم أن سيكونُ منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله) المزمل20، إلى غيرها من آيات كريمة، ونريد أن نقف هنا عدة وقفات الأولى معنى الابتغاء، ولم أجد في ذلك لا أبلَغ ولا أوجز ولا أكثر تحديداً من تعريف الإمام الراغب في مفردات القرآن حيث يقول: الابتغاء الاجتهاد في الطلب، ويقول ويتكيف حكمه الشرعي في ضوء طبيعة الشيء المطلوب، فإن كان المطلوب حسناً فالاجتهاد في طلبه محمود، والثانية المقصود بفضل الله في الآيات، وهنا نجد الكثير من المفسرين يذهبون به إلى أنه السعي في المعاش وطلب الرزق أي ممارسة النشاط الاقتصادي من تجارة وغيرها(10)، والثالثة وهي الأكثر أهمية ماذا وراء هذه العبارة (يبتغون من فضل الله)، وماذا وراء اختيار القرآن لها للدلالة على مراده وهو السعي في تحصيل الأموال طبعاً بالطرق المشروعة، وكان من الممكن أن يكون التعبير: يسعون في تحصيل المال أو يمارسون النشاط الاقتصادي، ويتاجرون ويزرعون …الخ.

لكن العبارة القرآنية بأسلوبها هذا اعتبرت المال المحصل فضلاً من الله.

هل هناك تحريض على ممارسة النشاط الاقتصادي أقوى من ذلك؟! هَلُمَّ أيها الإنسان إلى الحصول على فضل اللَّه.

بل وذكرت أنهم لا يطلبون ذلك مجرد طلب وإنما هو اجتهاد في الطلب، إنهم لا يبغون الحصول على الأموال بل يبتغون الحصول عليها، ورحم الله علماء اللغة إذ يقولون إن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.

أكتفى بهذا النذر اليسير مما في القرآن الكريم من اهتمامات بالشأن الاقتصادي مما لا يحيط بها إلا الله سبحانه وتعالى.

ولعل فيما قيل رداً كافياً على ما يثار في هذا الصدد من قبل بعض المسلمين الذين رزقوا التدين وحُرموا العلم، أما الرد على من يتقول على التشريع الإسلامي بخصوص الزكاة والربا فله موطن آخر، أرجو أن يوفقني الله لبعث رسالة فيه، علماً بأن هناك للكاتب ولغيره العديد من الدراسات العلمية المعمقة والموسعة في هذا المجال(11).

السنة‭ ‬النبوية‭ ‬وممارسة النشاط‭ ‬الاقتصادي

على نفس النهج القرآني جاءت السنة الشريفة كاشفة عن اهتمام إسلامي بالغ بالنشاط الاقتصادي في مختلف فروعه ومجالاته ووجوهه، ما بين حث وترغيب وتحريض على ممارسته بفعالية وانضباط، وتخويف وتحذير من التهاون فيه أو إساءة التعامل معه، مقدمة في ذلك العديد والعديد من التشريعات والأحكام والتوجيهات، وقد تضافرت في النهوض بذلك كل أنواع السنة، من قولية لفعلية لتقريرية، ففي أوائل إقامة الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة أقام سوقاً للمسلمين ونظم العمل فيه، وتابع ما يجري فيه من سلوكيات، وأقطع الأراضي للاستصلاح والزراعة والتعمير، وأقر معاملات مالية ورفض أخرى، وأعلن أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأمر كل إنسان أن يعتمد على نفسه في إشباع حاجاته بقدر وسعه، ونهى عن المسألة إلا في أمس الحالات، ورغّب في بذل ما يمكن بذله من جهد في النشاط الاقتصادي.

وحديث الشاب الذي خرج مبكراً ساعياً لممارسة نشاطه الاقتصادي، وما فيه من تصحيح المفاهيم لدى بعض الصحابة، حديث مشهور صحيح، وكذلك حديث أهل الدثور وكيف فازوا بالأجر الكبير، والأحاديث تترى في هذا الشأن «من أمسى كالاً من عمل يده أمسى مغفوراً له» (أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس، وفيه ضعف)، «ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة» (صحيح البخاري 8/385)، «التاجر الصدوق يحشر يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء» (الحديث في تحفة الأشراف 5/276 وفيه ضعف)، «من أحيا أرضاً ميتة فهي له وله فيها أجر» (الترمذي 3/83 – 3/84 وهو صحيح)، كلها تدل على مدى عناية واهتمام بل وانشغال السنة النبوية بالنشاط الاقتصادي(12).

النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬عند‭ ‬السلف‭ ‬وعلماء‭ ‬المسلمين

بمثل ما كان للنشاط الاقتصادي أهميته لدى القرآن الكريم ولدى السنة المشرفة، كانت له هذه الأهمية لدى المسلمين، ممثلين في سلفنا الصالح بدءاً من الصحابة، وممثلين في علمائناً الأجلاء، وبزرت هذه الأهمية وهذا الاهتمام في الأقوال والأفعال على السواء، وهناك دراسات للكاتب ولغيره في هذا الموضوع(13) مما يخفف عنا هنا مؤنة الكتابة الموسعة المعمقة. يكفي أن تعلم أن الغالبية العظمي من كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار كانوا من الغنى بمكان، ومن المهارة في ممارسة النشاط الاقتصادي بما يلفت النظر، والأسماء في ذلك لامعة براقة، فهناك عثمان بن عفان، وعبدالرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وهناك تاجر قريش الصديق، وهناك سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، رضي الله عنهم جميعاً … وغيرهم، ووجدنا في مواقف عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، حيال هذا النشاط وتوجيهاتهم وإرشاداتهم ما ينبئ عن موقع النشاط الاقتصادي في رؤاهم وأفكارهم(14). وقد يعجب المرء عندما يطلع على أقوال الصحابة والتابعين في الشأن الاقتصادي، حيث يجد الإجماع على الإشادة بممارسة هذا النشاط والارتقاء بتلك الممارسة في سلم القيم العليا. ومنذ البداية وجدنا مؤلفات عديدة للعلماء خاصة بهذا المجال، وعلى رأسها كتاب «الكسب» لمحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وأحكام السوق ليحيى بن عمر، والخراج لأبي يوسف، والبركة في السعي، والحركة للوصابي، ووجدنا أبا حنيفة نفسه من كبار التجار في العراق، ووجدنا الليث بن سعد من أغنياء مصر، ووجدنا العديد والعديد من كبار العلماء يمارسون مهناً اقتصادية اشتهروا بها وغلبت على أسمائهم مثل الماوردي والزجّاج والخصاف والوراق …الخ، ووجدنا أمهات المدونات الفقهية في المذاهب المختلفة، حافلة بتناول المعاملات الاقتصادية وما فيها من شركات وعقود، وبعض الدراسات الحديثة قدمت حصراً عما هو متاح حالياً من مؤلفات في النشاط الاقتصادي شارف على ثلاثمائة مؤلَّف(15).

الزهد‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬كسب‭ ‬المال‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬إنفاقه

بعد هذا العرض الموجز أجدني، وقد أوشكت الرسالة على النهاية، لا أحب أن أنهيها إلا بعد التعليق بكلمة على القول بأن الزهد والتوكل والقضاء والقدر وحرية الإنسان المقيدة، كل تلك تفتُّ في عضد المسلم حيال ممارسته للنشاط الاقتصادي، وبخاصة إذا ما نُظر إليه على أنه شأن دينوي محض، وما أقوله هنا هو مجرد تعليقات سريعة لأن الموضوع مثار ومعروض بتوسع في مؤلفات أخرى.

ولعل أبلغ رد على من يرى أن التوكل يفتُّ في عضد الإنسان حيال النشاط الاقتصادي ويضعضع همته؛ قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث «لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدوا خماصاً – خاوية بطونها – وتعود بطاناً – مليئة البطون» (الترمذي، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم)، هل وجدت في الحديث إشارة ولو خافتة إلى أن التوكل يدعو إلى ترك النشاط، وهل بقيت الطيور في أعشاشها اعتماداً على توكلها أم هبت مبكرة ساعية هنا وهناك لتحصيل رزقها؟ وهل وجدت أحداً من كبار الصحابة والتابعين يتركون العمل الاقتصادي اعتماداً على توكلهم على الله، أم أنهم، في نظرك، كان توكلهم على الله ضعيفاً، حاشا لله، وهل سمعت في ذلك قولة أمير المؤمنين عمر «تقريعاً لمن ترك العمل اعتماداً على التوكل»: «المتوكل من ألقى حبة في الأرض وتوكل على اللَّه.

وفي دراسة سابقة لي كشفت عن أن التوكل هو خير حافز للإنسان الذي يريد ممارسة نشاط اقتصادي(16) ثم إنه باتفاق من يعتد بهم من العلماء فإن الزهد الحقيقي ليس في كسب المال وإنما في إنفاقه، اكتسب قدر جهدك ثم بعد ذلك لا تكن شخصاً حريصاً كانزاً لمالك. وإذا كان الزهد يقتضي ترك الكسب فمن أين يزكي الإنسان، ويتصدق وينفق في سبيل اللَّه؟!! وإذا كان الكسب مجرد عمل دنيوي محض يكتفى فيه بما لدى الفرد من مهارة دون ما حاجة إلى دعم ديني، فلِمَ كانت هذه التشريعات التي تفوق الحصر والتي حفلت المؤلفات بها في مجال النشاط الاقتصادي وضبطه وجعله في المسار الصحيح؟ ولابن مسكويه كلام رصين في ذلك الموضوع(17)، وكذلك لإمام الصوفية الحارث المحاسبي(18). والأبلغ من هذا كله كيف يكون خليفة لله من مسلوب الإرادة فاقد القدرة على التصرف».

بهذا أختم بحثي أو رسالتي في موضوع يجب أن يكون واضحاً جلياً في أعين المسلمين خاصة والناس عامة، وفي أعين المؤلفين في الاقتصاد الإسلامي بوجه أخص، وأن يحتل موقع الصدارة ومعه نبذة عن الإنسان والكون والخالق، فتلك هي الأسس التي يبنى عليها كل تحليل علمي سليم في الاقتصاد الإسلامي.

الخلاصة

من هذه الرسالة الموجزة أخلص، وأرجو أن يتفق معي الكثير فيما أخلص إليه، إلى أن هذه الأهمية الكبيرة المقررة لدى الإسلام بكل مصادره للنشاط الاقتصادي تضع الاقتصاديين المسلمين أمام مسئوليتهم وجهاً لوجه، وهي أن ينهض فريق منهم بدراسة هذه الأهمية من جوانبها المختلفة وببحث الهدي الإسلامي في المجال الاقتصادي بكل تشعباته، وينشئوا في ذلك علماً للاقتصاد الإسلامي، أو كما يتفقون على تسميته، كما سبقهم في ذلك علماء المسلمين كلٌ في مجاله، وبخاصة أن المجال الاقتصادي من أهم المجالات.

وبذلك تكون عهدتهم أمام الله في تبليغ الجانب الذي يخصهم من هدي الإسلام قد وفوا بها، وإلا فما بلغوا رسالته.

المراجع

(7) د. شوقي دنيا، نظرات اقتصادية في القرآن الكريم، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريس، سلسلة الأبحاث الفائزة بجائزة البنك الإسلامي للتنمية، جدة 2007.

(8) ممن سمعته بأذني قال ذلك الشيخ محمد متولي الشعراوي في خواطره الإيمانية حول القرآن الكريم، لكنني فيما اطلعت عليه من كتب التفسير، وعندي من أمهاتها الكثير، لم أجد فيها ما يشير إلى ذلك رغم وقوفهم الطويل أمام هذا التعبير القرآني من حيث المعنى ومن حيث اللغة ولم أجد من اقترب مما قال الشعراوي سوى ابن حيان في تفسيره البحر المحيط، وأنا شخصياً لا استبعد ما قاله الشعراوي، أليس من المستعمل أن يرد إنسان على آخر يسأله عن جده واجتهاده في العمل والنشاط فيقول للحج أعمل وأسعى.

(9) القرطبي والرازي والزمخشري ..وغيرهم.

(10) الألوسي، روح المعاني، ج1، ص86، دار الفكر، بيروت 1987. الشوكاني، فتح القدير، ج1، ص203، دار الفكر 1983. القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج1، ص413، دار إحياء التراث العربي، بيروت: 1952. الرازي، التفسير الكبير، مجلد 5، 6، ص170، ط2، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

(11) د. شوقي دنيا، مؤسسات اقتصادية إسلامية، شبهات لإباحة الربا، مكتبة وهبة، القاهرة.

– د. محمد عمر شابرا، نحو نظام نقدي عادل، المعهد العالمي للفكر الإسلامي 1981.

(12) د. شوقي دنيا، الإعجاز الاقتصادي في السنة النبوية الشريفة، مجمع البحوث الإسلامية، لجنة الإعجاز العلمي للقرآن الكريم 2004م.

(13) د. شوقي دنيا، الفكر الاقتصادي الإسلامي في مرحلة ما قبل التدوين، مجلة المسلم المعاصر، القاهرة، العدد 107.

– الإمام ابن أبي الدنيا، إصلاح المال، دار الوفاء، المنصورة، مصر 1990.

(14) الشريف الرضي، نهج البلاغة، وثيقة الإمام علي لواليه على مصر الأشتر النخعي.

(15) د. ياسر الحوراني، مصادر التراث الاقتصادي في الإسلام، المعهد العالمي للفكر الإسلامي 1981م.

(16) د. شوقي دنيا، الإسلام والتنمية الاقتصادية، ص69، دار الفكر العربي، القاهرة 1979م. وقد أفاض كتاب الكسب في الرد العلمي الشرعي على تلك المقولات الزائفة، ص87 وما بعدها، وكذلك كتاب الحث على التجارة والصناعة والعمل لأحمد بن محمد الخلاَّل، بيروت 1995م.

(17) انظر كتابه: الفوز الأصغر، الطبعة الأولى، نقلاً عن د. زكي مبارك، النثر الفني في القرن الرابع، جـ2، ص191، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة 2010م.

(18) الحارس المحاسبي، المكاسب، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت 1987م.

– الحارس المحاسبي، الزهد، مكتب التراث الإسلامي، القاهرة 1986م.

13 ديسمبر, 2020

301 9 دقائق

فيسبوك تويتر لينكدإن مشاركة عبر البريد طباعة

 

You may also like

Leave a Comment