Home مقالات التحوط في المعاملات المالية

التحوط في المعاملات المالية

by admin

موقع الاقتصادي الاسلامي

أستاذ الفقه المقارن بالمعهد العالي للقضاء
المملكة العربية السعودية

لقد تعددت أساليب الاستثمار في العصر الحاضر, وتبعاً لذلك تنوعت المخاطر التي تتعرض لها تلك الاستثمارات، ما بين مخاطر اقتصادية وائتمانية وأخلاقية وغيرها، وكان من أبرز مقومات الإدارة الناجحة للاستثمار وضع الوسائل المناسبة لحمايتها من المخاطر.

وفي المصرفية التقليدية تتم حماية الاستثمار بطرق متعددة من أبرزها طريقتان: الأولى: عقود التحوط، وهي عقود يقصد منها تبادل مخاطر الاستثمار بين طرفين. والثانية: الضمانات، وهي عقود يقصد منها تحمل طرف مخاطر الاستثمار مقابل عوض. و«الحماية» بمفهومها الإسلامي تختلف عن «التحوط» و«الضمان» بمفهوميهما التقليديين؛ ولذلك أرى أن من الأفضل أن نستخدم مصطلح «الحماية» للأدوات الإسلامية تمييزاً لها عن الأدوات التقليدية، ولا مشاحة في الاصطلاح.

مفهوم‭ ‬التحوط‭ ‬والضمان‭ ‬وعلاقتهما‭ ‬

بـ»الحماية‮»‬

أولاً – التحوط:

التحوط مأخوذ من الحيطة، بالفتح والكسر، ويقصد به في الأسواق المالية: تبادل مخاطر الاستثمار بين طرفين، ويتم ذلك من خلال جملة من العقود المسماة بعقود التحوط.

وأدوات التحوط التقليدية تعتمد في الأساس على المشتقات، وأشهر أنواع المشتقات المالية ثلاثة: الخيارات، المستقبليات، والمبادلات.

ثانياً – الضمان:

يقصد بالضمان الالتزام بسلامة رأس المال أو سلامته مع حد معين من الربح، وذلك بتعويض المضمون له (رب المال) عن أي نقص في قيمة الاستثمار سواء أكان بسبب خسارة أم تلف أم غير ذلك.

والضمان قد يكون صادراً من مدير الاستثمار نفسه، وقد يكون من طرف ثالث مقابل عوض يأخذه.

والأصل الشرعي في عقد الاستثمار سواء أكان عقد مضاربة أم مشاركة أم وكالة في الاستثمار أن خسارة النقص في رأس المال يتحملها رب المال وحده، وأما العامل فخسارته تقع في عمله بدون أجر. فرب المال يقدم المال وفي حال الخسارة يخسر المال، والعامل يقدم العمل وفي حال الخسارة يخسر قيمة هذا العمل.

ولا خلاف بين الفقهاء أن يد العامل على رأس المال يد أمانة، سواء أكان مضارباً أم وكيلاً بأجر، فلا يضمن خسارة المال أو نقصانه أو هلاكه إلا في حال تعديه أو تفريطه؛ ذلك أن العامل نائب عن رب المال في اليد والتصرف، وذلك يستوجب أن يكون هلاك المال أو خسارته في يده كهلاكه أو خسارته في يد صاحبه؛ لأنه قبضه بإذنه، ولأن الأصل براءة ذمة العامل من الضمان، ومن كان كذلك فلا يسوغ تضمينه إلا بأمر من الشارع(1).

لا‭ ‬خلاف‭ ‬بين‭ ‬الفقهاء‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يد‭ ‬العامل‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬يد‭ ‬أمانة‭ ‬سواء‭ ‬أكان‭ ‬مضارباً‭ ‬أم‭ ‬وكيلاً‭ ‬بأجر

ثالثاً – الحماية:

حماية رأس المال تعني وقايته من النقص. والغالب في تعبير الفقهاء استخدام لفظ «السلامة» أو «الوقاية» بدلاً من لفظ الحماية، ومنه قولهم في المضاربة: لا ربح إلا بعد سلامة رأس المال. وقالوا: الربح وقاية لرأس المال، ومعنى ذلك: أن الربح لا يتحقق في المضاربة ولا يحكم بظهوره حتى يستوفي رأس المال؛ لأنه الأصل الذي يبنى عليه الربح(2).

وحماية المال بهذا المعنى مطلوبة شرعاً، سواء من قبل رب المال أو العامل. وهي تدخل ضمن مقصد (حفظ المال) وهو أحد المقاصد الضرورية التي جاءت الشريعة برعايتها وحفظها. ولهذا جاء الأمر من الشارع في العقود التي تكون عرضة لنوع من المخاطر باتخاذ الأسباب التي يتجنب فيها تلك المخاطر، ففي البيع الآجل مثلاً، حيث يكون الاستثمار عرضة للمخاطر الائتمانية أمر الله تعالى بكتابته، وتوثيقه، والإشهاد عليه، وأخذ الرهون، فقال سبحانه وتعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) البقرة 282، وقال (وأشهدوا إذا تبايعتم) البقرة 282، وقال (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرِهان مقبوضة) البقرة 283.

ومما جاء في هذا الباب ما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن العباس كان إذا دفع مالاً مضاربة اشترط على صاحبه ألا يسلك به بحراً ولا ينزل به وادياً ولا يشتري به ذات كبد رطبة، فإن فعل ذلك ضمن، فبلغ شرطه النبي صلى الله عليه وسلم فأجازه(3). فما شرطه العباس رضي الله عنه نوع من الحماية من المخاطر الاقتصادية.

وتتأكد حماية رأس المال في حق العامل؛ لأنه أمين، ومن مقتضى ذلك أن يكون تصرفه في المال منوطاً بالمصلحة لرب المال؛ لكونه نائباً عنه فيه، فيأخذ بأسباب الحيطة في تنمية المال وفق ما جرى به العرف، وبما لا يتعارض مع القواعد الشرعية، سواء أكان مضارباً أم شريكاً أم وكيلاً بأجر.

علاقة الحماية بالتحوط:

تختلف الحماية بمفهومها الشرعي عن التحوط بمفهومه التقليدي، وذلك من أوجه:

الأول : أن الحماية تكون من خلال إبرام عقود على سلع حقيقية، بينما التحوط يكون بتبادل المخاطر دون وجود بيوع حقيقية.

الثاني: الغرض من الحماية الحفاظ على سلامة الاستثمار، بينما الأغلب في عقود التحوط أن تكون لغرض المقامرة على تقلبات الأسعار في المستقبل؛ ولذلك فإن معظم هذه العقود تتم تسويتها قبل موعد التسليم.

الثالث: لا تصح الحماية بعقود يكون فيها العوضان مؤجلين؛ لما في ذلك من الغرر الفاحش، بينما هذا هو الأكثر في عقود التحوط.

والرابع: لا تصح الحماية بالبيوع المعلقة على المستقبل، بينما عقود التحوط قد تكون كذلك.

‭ ‬لا‭ ‬تصح‭ ‬الحماية‭ ‬بعقود‭ ‬يكون‭ ‬فيها‭ ‬العوضان‭ ‬مؤجلين‭ ‬لما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬الغرر‭ ‬الفاحش‭ ‬بينما‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الأكثر‭ ‬في‭ ‬عقود‭ ‬التحوط

علاقة الحماية بالضمان:

تختلف حماية رأس المال عن ضمانه من وجهين:

الأول : أن الحماية بذل عناية وأما الضمان فهو التزام بغاية، فالحماية يقصد منها بذل الأسباب لوقاية رأس المال من النقصان، ثم قد تتحقق تلك الغاية وهي سلامة رأس المال وقد لا تتحقق، وأما الضمان فالمقصود منه الالتزام بالنتيجة وهي تحمل أي نقص يكون في رأس المال، سواء أكان النقص بسبب قصور في الأخذ بالأسباب أم لم يكن لقصور فيها.

الثاني: أن الأصل في ضمان العامل رأس المال المنع؛ لأن المال مضمون على مالكه، وهو رب المال، ولا يضمن العامل إلا في حالة تعديه أو تقصيره، وأما حماية المال فالأصل فيها الوجوب؛ إذ يجب على العامل أن يحمي رأس المال من التلف والخسارة؛ لأنه مؤتمن عليه.

الضوابط الشرعية لحماية رأس المال:

من خلال ما سبق يمكن أن نضع الضوابط الآتية التي يجب أن تبنى عليها أدوات الحماية المشروعة تجنباً لوقوعها في دائرة التحوط أو الضمان التقليديين:

1- أن تكون الحماية لأغراض المحافظة على سلامة رأس المال وليس لأجل المقامرة على فروقات الأسعار.

2- أن تكون الحماية من خلال إبرام عقود على سلع حقيقية بحيث يتحمل العائد مخاطر ملكية السلعة وينتقل إليه ضمانها ولو لفترة قصيرة، فلا يصح أن يتم الاتفاق على تسوية الالتزامات الدائنة والمدينة بين الطرفين من دون عقود حقيقية.

3- لا تجوز أدوات الحماية التي تكون مبنية على عقود مستقبلية، ويجوز إذا كانت بوعد من طرف واحد.

4- لا تجوز أدوات الحماية التي يكون الغرض منها تضمين مدير الاستثمار إن لم يتعد أو يقصر؛ لأن ذلك يفرغ عقد الاستثمار من مضمونه، ويحوله إلى عقد قرض.

5- ألا تكون الحماية بعقد محرم. وأصول المعاملات المحرمة ترجع – في الغالب – إلى أحد أمرين: إما الربا، وإما الغرر. والأول محرم لما فيه من الظلم، والثاني محرم لما فيه من الجهل، وكلاهما من أكل المال بالباطل.

6- في الحماية المشتركة بين أطراف يجب أن تكون الحماية بالتساوي على جميع المشتركين في الصندوق أو المحفظة الاستثمارية، كل بحسب رأس ماله، فلا يصح أن يتحمل بعض المستثمرين من المخاطر أكثر من البعض الآخر، أو أن يعفى بعضهم من تحمل المخاطر؛ لأنهم شركاء فيما بينهم. ومن القواعد المتفق عليها بين أهل العلم في باب الشركات: «أن الوضيعة على قدر المال»(4).

تطبيقات‭ ‬الحماية‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬

المالية‭ ‬الإسلامية

سوف أستعرض هنا نوعين من التطبيقات:

الأول : التطبيقات البديلة عن عقود التحوط التقليدية.

الثاني : التطبيقات البديلة عن عقود الضمان التقليدية.

تطبيقات الحماية البديلة عن التحوط:

أولاً – تطبيقات الحماية في الصرف:

المسألة الأولى: الجمع بين مرابحتين متقابلتين من تقلب أسعار الصرف:

من أبرز المخاطر التي قد يتآكل معها رأس المال: التذبذب في أسعار الصرف بين العملة التي تشترى بها السلع والعملة التي تباع بها، فلو أن مستثمراً اشترى سلعاً بمليون يورو تحل بعد سنة وسعر الصرف مع الريال وقت الشراء هو (1 يورو/ 5 ريالات) ثم باعها في السوق المحلية بربح 20% أي بما يعادل (مليون ومائتي ألف يورو=6 ملايين ريال) فلما حل موعد السداد كان سعر الصرف بين العملتين (1 يورو/ 7 ريالات) أي أن المبلغ المطلوب سداده هو (7 ملايين ريال) فهذا يعني خسارة في رأس المال بمقدار مليون ريال.

الحماية‭ ‬تكون‭ ‬لأغراض‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬سلامة‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬وليس‭ ‬لأجل‭ ‬المقامرة‭ ‬على‭ ‬فروقات‭ ‬الأسعار

ولا يظهر في هذه العملية محظور شرعي بالضوابط الآتية:

1 – أن تكون العمليتان منفصلتين، وتجري كل عملية على سلعة مختلفة، فلا يصح أن يبيع المصرف على المستثمر سلعة بالأجل ثم يشتريها المصرف منه بالأجل نفسه بالعملة الأخرى؛ لأن هذه الصورة حيلة ظاهرة على ربا النسيئة، وتحقيقاً لهذا الضابط فأرى أنه لابد أن يكون المصرف الذي يجري معه العملية الثانية (الاستثمار) غير المصرف الذي يجري معه العملية الأولى (التمويل).

2 – ألا يكون هناك وعود متبادلة ملزمة بالدخول في أي من العمليتين.

3 – أن يكون كل من عقد التمويل وعقد الاستثمار متوافقاً مع الضوابط الشرعية.

المسألة الثانية: القروض المتبادلة بعملتين للحماية من تقلب أسعار الصرف:

في هذه الطريقة تجري عملية قروض متبادلة بين المستثمر والبنك بالعملتين المراد تثبيت سعر صرفهما. فالمستثمر الذي عليه التزام بمليون يورو يحل بعد سنة ويريد أن يثبت سعر صرف اليورو مقابل الريال على 1 يورو/ 5 ريالات؛ لتخوفه من ارتفاع سعر اليورو مقابل الريال، فإنه يقرض البنك مليون يورو(5) على أن يستردها بنفس المقدار، فإذا حل الأجل فإنه يكون على المستثمر دين قدره 5 ملايين ريال، يسددها من ثمن بيعه السلع التي سبق أن اشتراها باليورو، وله دين قدره مليون يورو يقضي به الالتزام عليه باليورو.

وحكم هذه المعاملة مبني على حكم القروض المتبادلة، والأظهر فيها – أي القروض المتبادلة – الجواز إذا كانت على وجه المماثلة بين القرضين، أي بدون أن يترتب عليها فوائد لأحدهما على الآخر، ولا تدخل في القرض الذي يجر نفعاً؛ لأن محل المنع إنما هو في المنفعة التي يختص بها المقرض، أما إذا كانت المنفعة مشتركة بين المقرض والمقترض، على وجه يحقق مصلحة عادلة للطرفين، فليست ممنوعة ولا هي نظير السفتجة التي نص أهل العلم على جوازها؛ لأن المنفعة فيها لا تخص المقرض وحده، وإنما تعم الطرفين(6).

لا‭ ‬تجوز‭ ‬أدوات‭ ‬الحماية‭ ‬التي‭ ‬تكون‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬عقود‭ ‬مستقبلية‭ ‬ويجوز‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬بوعد‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬واحد

المسألة الثالثة: الوعد في الصرف:

من الحلول التي تعمل بها بعض المؤسسات المالية الإسلامية للحماية من تقلب أسعار الصرف إنشاء وعد ملزم بالمصارفة في تاريخ مؤجل بسعر محدد عند إنشاء الوعد.

والأظهر هو جواز ذلك بالضوابط الآتية:

1 – أن يكون الوعد ملزماً لأحد الطرفين؛ وأما المواعدة الملزمة لهما جميعاً فلا تجوز لأنها في حكم العقد، والعقد هنا صرف، ولا يجوز فيه التأجيل. وقد نص قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي على جواز الوعد الملزم لطرف واحد في المرابحة، وتحريم المواعدة الملزمة للطرفين، ولا يظهر فرق بين المرابحة والصرف في هذا الجانب؛ لأن الوعد في كليهما – المرابحة والصرف – يتم إنشاؤه في حال يحرم فيه العقد، وإنما جاز باعتباره ليس عقداً.

2 – ألا يترتب على الوعد إلزام الواعد بالدخول في العقد، فغاية ما يفيده الإلزام تحمل الضرر الفعلي، وهو الفرق بين تكلفة الشراء والبيع، ولا يدخل في ذلك الربح الفائت أو الفرصة البديلة، ومن ذلك فرق السعر الموعود به عن ثمن البيع، بسعر صرف (7)، فاشتراها الموعود بـ(5) ليبيعها للواعد، فنكل الواعد، ثم باعها الموعود لطرف ثالث بـ(5) أو (6) فلا يجوز إلزام الواعد بالتعويض، وأما إن باعها بـ(4) فيجوز إلزام الواعد بالتعويض بمقدار (1) فقط لا أكثر.

3 – أن يكون تحمل الضرر في حال نكول الواعد لغير عذر، وأما النكول لقوة قاهرة، أو وفاة أو إفلاس ونحو ذلك فلا يجوز فيه الإلزام بالتعويض.

4 – أن يتم إبرام عقد صرف عند تبادل العملتين إما بتبادل الإيجاب والقبول في حينه، أو بالمعاطاة، ويجب التقابض الفوري عند مبادلة العملتين، فلا يجوز تسليم إحدى العملتين في يوم وتسليم العملة الأخرى في يوم آخر، كما لا يجوز اعتبار عقد الصرف مبرماً تلقائياً عند حلول أجل الصرف دون إبرام العقد.

5 – ألا يترتب على الوعد آثار العقد، ومن ذلك:

(أ) لا يجوز أن يتصرف أي من الطرفين في العملة الموعود بشرائها قبل إبرام عقد الصرف.

(ب) ألا تعد العملة الموعود بها ديناً في ذمة الواعد، ولا تجري عليها أحكام الدين، فلا يكون الموعود أسوة الغرماء في حال إفلاس الواعد أو موته قبل تنفيذ عقد الصرف، ولا تأخذ تلك العملة الموعود بها حكم زكاة الدين في باب الزكاة.

(ج) لا ينتقل ملك العملة بالوعد قبل تنفيذ عقد الصرف، وضمانها على مالكها، ونماؤها له.

ثانياً – تطبيقات الحماية في الاستثمار والتمويل:

المسألة الأولى: الوعد بالشراء بناء على أداء مؤشر:

في هذا النوع من عقود التحوط يصدر وعد ملزم من البنك (الوكيل) بإبرام عقد مرابحة مع المستثمر في تاريخ مؤجل، بحيث يكون ربح المرابحة بمقدار الفرق بين قيمة الاستثمار وأداء مؤشر محدد عند تنفيذ المرابحة.

مثال ذلك: أن يودع العميل لدى البنك وديعة استثمارية بعائد متوقع، ويكون مؤشر الأداء هو مؤشر الأسهم السعودية، وفي التاريخ المحدد إذا كان مؤشر الأسهم السعودية أعلى من الربح المحقق، فينفذ البنك التزامه بأن يشتري من العميل سلعة مرابحة بسعر التكلفة مضافاً إليه ربح يعادل الفرق بين مؤشر الأسهم السعودية والربح المحقق، وأما إذا كان الربح المحقق مثل مؤشر الأسهم أو أعلى تنفذ المرابحة.

من‭ ‬الحلول‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬بها‭ ‬بعض‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬الإسلامية‭ ‬للحماية‭ ‬من‭ ‬تقلب‭ ‬أسعار‭ ‬الصرف‭ ‬إنشاء‭ ‬وعد‭ ‬ملزم‭ ‬بالمصارفة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬مؤجل‭ ‬بسعر‭ ‬محدد‭ ‬عند‭ ‬إنشاء‭ ‬الوعد

والذي يظهر أن الحكم الشرعي لهذه الطريقة يختلف بحسب نوع العلاقة بين البنك والعميل. ولا يخلو الأمر من إحدى حالتين:

الحال الأولى: أن يكون البنك مديراً لاستثمارات العميل، إما بالمضاربة أو الوكالة أو المشاركة، فيحرم الوعد حينئذ؛ لأنه يترتب عليه تضمين المضارب أو ال وكيل في الاستثمار أو الشريك.

الحال الثانية: أن يكون البنك وكيلاً أو وسيطاً في شراء محفظة استثمارية، وليس مديراً لها، فلا يظهر مانع شرعاً من ذلك، شريطة الأخذ بضوابط الوعد الملزم التي سبق بيانها في الوعد في الصرف، فتكون مسئولية الواعد في حدود التعويض عن الضرر الفعلي بسبب نكوله ولا يتحمل الربح الفائت. ويقدر الضرر الفعلي في مثل هذه الحال بنفس قيمة الاستثمار عن تكلفة شرائه، وليس بفوات الربح المتوقع أو ربح مؤشر الأداء الذي ربط به ربح المرابحة.

المسألة الثانية: المرابحات المتتالية للحماية من تقلب معدل العائد على التمويل:

في هذه الصورة يرتبط العميل بعقود مرابحة طويلة الأجل مع البنك، أحدهما يكون دائناً والآخر يكون مديناً، ولغرض التحوط من تغير معدل المرابحات في السوق، يصدر كل من العميل والبنك وعدين متقابلين يلتزم فيه الواعد بشراء سلعة أعلى من سعر السوق عند التنفيذ بالقدر الذي يعوض به الطرف الآخر بسبب تغير معدل الربح في السوق عن الربح المحدد في المرابحة طويلة الأجل.

فعلى سبيل المثال: لو أن العميل يتوقع انخفاض أسعار الفائدة في المستقبل عن 5% (سعر التنفيذ) والبنك يتوقع عكس ذلك، فلو ارتفعت أسعار الفائدة في تاريخ التنفيذ إلى 7% ففي المصارف التقليدية يدفع العميل الفرق وهو 2%، وفي المصارف التي تجيز هذه الاتفاقيات يلتزم العميل بشراء سلعة من البنك بثمن يزيد بمقدار 2% من تكلفتها على البنك، ولو نقص معدل الربح إلى 4% ففي المصارف التقليدية يدفع البنك الفرق وهو 1%، وفي المصارف الإسلامية التي يعمل بها بهذه الاتفاقيات يلتزم البنك بأن يشتري السلعة بثمن يزيد بمقدار 1% عن تكلفتها على العميل.

وإيضاحاً لذلك تتم خطوات التنفيذ على النحو الآتي:

1- العميل ابتداءً يعتمد في تمويل نشاطه على التمويل قصير الأجل، وتكلفة التمويل (هامش الربح) تختلف بحسب معدلات الربح عند أخذ التمويل، وله استثمارات بمرابحات طويلة الأجل بهامش ربح ثابت، ويخشى أن تزيد تكلفة التمويل على هامش الربح في الاستثمارات أو تساويه، فيرغب في الدخول في عقد تحوط لتثبيت تكلفة التمويل عليه بحيث لا تزيد عن نسبة ثابتة تكون أقل من هامش ربحه في استثماراته.

2- يبرم العميل اتفاقية تحوط مع البنك تتضمن أربع وثائق:

(أ) اتفاقية وكالة بالبيع، وفيها يوكل العميل البنك ببيع السلعة نيابة عنه.

(ب) اتفاقية وكالة بالشراء، وفيها يوكل العميل البنك بشراء السلعة نيابة عنه.

(ج) تعهد صادر من العميل بالشراء.

(د) تعهد صادر من البنك بالشراء.

3  يحدد الطرفان موعد تنفيذ الوعود ويسمى تاريخ التنفيذ، كما يحددان سعر التنفيذ، وهو النسبة المتفق عليها للتنفيذ.

4- إن كان معدل الربح في السوق عند التنفيذ أقل من سعر التنفيذ، يمارس البنك حقه في تعهد العميل له بالشراء، وذلك بتنفيذ عقد تورق بأن يبيع على العميل سلعة بثمن أعلى من تكلفتها (والزيادة تعادل الفرق بين سعر التنفيذ ومعدل الربح في السوق) ثم يبيعها نيابة عنه بمقتضى عقد الوكالة بالبيع.

5- وإن كان معدل الربح في السوق عند التنفيذ أعلى من سعر التنفيذ فيمارس العميل حقه في تعهد البنك له بالشراء، وذلك بتنفيذ عقد تورق عكسي (استثمار مباشر) بأن يشتري البنك سلعة نيابة عن العميل بمقتضى عقد الوكالة في الشراء، ثم يشتريها البنك منه بثمن أعلى من تكلفتها (والزيادة تعادل الفرق بين سعر التنفيذ ومعدل الربح في السوق).

6- والمحصلة النهائية أن تكلفة التمويل على العميل تعادل تماماً سعر التنفيذ المتفق عليه، فلو ارتفعت تكلفة التمويل في السوق عن هذا السعر فيتحمل البنك الزيادة، ولو انخفضت فيدفع العميل النقص.

في‭ ‬بيع‭ ‬العربون‭ ‬يجوز‭ ‬للمشتري‭ ‬أن‭ ‬يبيع‭ ‬السلعة‭ ‬محل‭ ‬العقد‭ ‬لأنه‭ ‬مالك‭ ‬لها‭ ‬بينما‭ ‬في‭ ‬الخيارات‭ ‬التقليدية‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬ذلك

وفي تطبيقات هذه الصورة من الحماية يرد العديد من الإشكالات:

1- أن شراء السلع ضروري، وهو حيلة لأجل تعويض الطرف الآخر، ولا يقصد منه التملك الحقيقي، ولهذا تشترى السلعة بغير قيمتها الحقيقية، وفي كثير من الحالات لا يكون هناك شراء حقيقة وإنما عمليات تسوية بين الالتزامات الدائنة والمدينة.

2- أن البنك يتولى طرفي العقد ولا يباشر العميل أي عقد من بيع أو شراء ولا يعلم عن السلع التي يشتريها البنك له أو يبيعها عليه.

3- اشتمالها على مواعدة ملزمة متبادلة بين الطرفين، والمواعدة الملزمة في حقيقتها لا تختلف عن العقد، وهذا ما نص عليه قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي.

4- يتم تنفيذ العقود في كثير من الحالات على سلع موصوفة في الذمة، فتباع بالأجل قبل قبضها، فيدخل في النهي عن بيع ما لم يقبض، وفي النهي عن بيع الدين بالدين.

المسألة الثالثة: الحماية من خلال بيع العربون:

يعد بيع العربون أحد أبرز أدوات الحماية الإسلامية التي تحقق المقاصد الشرعية – إذا استُوفيت شروطه – بعيداً عن سلبيات عقود التحوط التقليدية.

وبيع العربون هو أن يشتري سلعة ويدفع للبائع بعض ثمنها على أنه إن أخذها دفع بقية الثمن وإن لم يأخذها فللبائع ما دفع(7).

وقد وقع فيه خلاف بين الفقهاء المتقدمين، فالجمهور على المنع(8)؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «نهى عن بيع العربون»(9) ولما فيه من أكل المال بالباطل؛ لأن البائع يتملك ما دفعه المشتري بلا عوض إذا اختار ترك السلعة.

ويرى الحنابلة صحة بيع العربون(10)؛ بما روي أن نافع بن عبدالحارث اشترى داراً للسجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم، فإن رضي عمر فالبيع له، وإن عمر لم يرض فأربعمائة لصفوان»(11).

وهذا القول هو الراجح؛ لقوة دليله، وأما حديث عمرو بن شعيب فهو ضعيف، وتعليل المانعين بأنه من أكل المال بالباطل غير مسلم، فالعربون لدفع الضرر الواقع على البائع بحبس السلعة عن عرضها للشراء بما قد يكون أكثر غبطة.

وأشير هنا إلى صورتين من صور تطبيقات بيع العربون في عقود الحماية:

الصورة الأولى: تطبيق بيع العربون بديلاً عن عقود الخيارات:

فالخيار في الأسواق المالية يعني: حق شراء أو بيع عدد محدد من الأوراق المالية بسعر محدد خلال مدة محددة، أو في تاريخ محدد(12)، ولا يترتب على مشتري الخيار التزام بيع أو شراء، وإنما هو مجرد حق يمتلكه يستطيع أن يمارسه أو يتركه.

وعقود الخيارات في نشأتها كان الغرض منها التحوط من تغير سعر الورقة المالية إلا أنها تحولت إلى ورقة مجازفة على الأسعار المستقبلية.

وبيع العربون يمكن أن يحقق الحماية مع تجنب سلبيات الخيارات، وذلك بأن يشتري المستثمر الورقة المالية بشرط الخيار مدة معلومة، ويدفع جزءاً من الثمن، على أنه إن أخذ الورقة دفع بقية الثمن وإن لم يأخذها خسر ما دفعه، وبالتالي تكون خسارته محدودة بمقدار ما دفع، وبذلك تتحقق له الحماية من الوقوع في خسائر لم يحسب لها.

ويختلف بيع العربون عن عقد الخيار في وجوب تحقق جملة من الضوابط الشرعية التي يجب مراعاتها عند استخدام بيع العربون كأداة للحماية، بينما هذه الضوابط غير متوفرة في الخيارات التقليدية.

وهذه الضوابط هي:

1- يشترط لبيع العربون أن يكون الأصل محل العقد مما يجوز بيعه من السلع أو الأسهم المباحة أو غيرها مما يجوز تملكه شرعاً، بينما الخيارات لا يلزم فيها ذلك.

2- أن يكون العربون مقترناً بشراء سلعة، وهذا الشرط غير متحقق في الخيارات؛ فمشتري الخيار يدفع قيمته من دون أن يترتب على ذلك التزام بالشراء، فالخيار له قيمته مجردة عن الأصل المتعلق به.

3- في العربون يجب أن تكون فترة الخيار تالية لإبرام العقد، ولو امتدت لفترة طويلة، وهذا الشرط متحقق في عقود الخيارات المعمول بها في الأسواق الأمريكية التي تجعل لمشتري الخيار الحق في التنفيذ من حين العقد ولمدة تسعين يوماً، بخلاف الخيارات في الأسواق الأوروبية التي لا يسمح فيها بالتنفيذ إلا في اليوم التسعين.

4- في بيع العربون يشترط أن تكون الأسهم أو الأصول محل العقد مملوكة للبائع من حين العقد وحتى التنفيذ، وبذلك تتحقق مصلحتان:

الأولى: موافقة رأي الجمهور في المنع من بيع الإنسان ما ليس عنده، ولو كان المبيع موصوفاً في الذمة.

والثانية: أن البائع يكون في مأمن من الاضطرار لشراء الورقة المالية من السوق بسعرها الجاري عند التنفيذ والذي سيكون قطعاً أعلى من السعر المتفق عليه مع المشتري، وبذلك لا يرد كون العقد دائراً بين الغنم والغرم. وهذا الشرط ليس غير متحقق في الخيارات التقليدية فالغالب أن السمسار يحرر خيارات ويبيعها على سلع أو أوراق مالية لا يملكها، وعند التنفيذ تتم التسوية بينه وبين مشتري الخيار بناء على أسعار السوق دون تسلم أو تسليم فعلي.

5- لايجوز إبرام بيع العربون في السلع التي يجب فيها التقابض شرعاً كالذهب والفضة والعملات، لأن وجود الخيار يمنع من تحقق التقابض، وهذا الشرط غير متحقق في الخيارات التقليدية.

6- أن يكون بيع العربون لغرض «الاستثمار» أي للحماية من تقلبات الأسعار، لا لأغراض «المضاربة والمجازفة» على تقلبات الأسعار؛ إذ إن تحول أدوات الحماية إلى أدوات للمضاربة يؤدي إلى أضرار اقتصادية جسيمة، والناظر فيما حل بالأسواق المالية العالمية في الأزمة المالية السابقة والتي كان من أهم أسبابها المضاربة على المشتقات المالية من خيارات ومستقبليات وغيرها يدرك مدى الخطورة الفادحة التي يمكن أن تتوقعها هذه الأدوات إذا خرجت عن إطار المضاربة، فأرى أن مراعاة المقاصد الشرعية تقتضي الاقتصار في جوازها على قدر الحاجة لا أن تتخذ أداة للاسترباح.

7- في بيع العربون يجوز للمشتري أن يبيع السلعة محل العقد؛ لأنه مالك لها، بينما في الخيارات التقليدية لا يجوز ذلك، لأن مشتري الخيار لا يملك السلعة، وأما الخيار فليس سلعة في ذاته وإنما هو التزام، والالتزام المجرد ليس محلاً للمعاوضة.

الصورة الثانية من صور الحماية ببيع العربون: الجمع بين المرابحة والعربون:

وكيفية ذلك: أن يقسم مدير الاستثمار رأس المال – 100 مثلاً – إلى جزأين: الجزء الأكبر «93» مثلاً في مرابحات مع جهات ذات ملاءة ائتمانية جيدة بربح «7»، وبذلك تتحقق الحماية لرأس المال، والجزء الثاني «7» يجعله عربوناً في شراء أسهم بقيمة «700» فإذا ارتفعت قيمة الأسهم إلى «800» مثلاً أمضى العقد وقبض الأسهم ثم باعها فدفع الثمن إلى البائع وتحقق للصندوق ربح كبير «100» أي بما يعادل رأس المال، وإذا لم يحصل الارتفاع المتوقع فغاية ما في الأمر أن يعدل عن المضي في العقد ويخسر مبلغ «7» الذي دفعه عربوناً، ولكن تحقق له السلامة لرأس المال.

ومن الممكن زيادة حصة إحدى الجهتين على حساب الأخرى بحسب النسبة التي يراد تحقيق الحماية لها من رأس المال، فكلما زادت حصة العربون كانت فرص زيادة الربح أعلى ونسبة الحماية من رأس المال أقل ..وهكذا.

تطبيقات‭ ‬الحماية‭ ‬البديلة‭ ‬عن‭ ‬ضمان‭ ‬

رأس‭ ‬المال

المسألة الأولى: التزام المدير بشراء الوحدات الاستثمارية أو أصول الصكوك بقيمتها الاسمية:

ويقصد بالقيمة الاسمية: المبلغ المدفوع في بداية الاستثمار، أي رأس المال المستثمر.

وهذا الالتزام محرم؛ لأنه يؤول إلى تضمين المدير. وعلى ذلك نص البيان الصادر من المجلس الشرعي بهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية بشأن الصكوك وفيه: «لا يجوز للمضارب أو الشريك أو وكيل الاستثمار أن يتعهد بشراء الأصول من حملة الصكوك أو ممن يمثلهم بقيمتها الاسمية عند إطفاء الصكوك في نهاية مدتها ويجوز أن يكون التعهد بالشراء على أساس صافي قيمة الأصول أو القيمة السوقية أو القيمة العادلة أو بثمن يتفق عليه عند الشراء .. علماً بأن مدير الصكوك ضامن لرأس المال بالقيمة الاسمية في حالات التعدي أو التقصير ومخالفة الشروط، سواء أكان مضارباً أم شريكاً أم وكيلاً بالاستثمار».

المسألة الثانية: التأمين التعاوني على الاستثمار والتمويل:

من الحلول المطروحة لحماية رأس المال في الاستثمارات: التأمين على الاستثمار تأميناً تعاونياً، وذلك من خلال إنشاء صندوق تأمين تعاوني تشترك فيه مجموعة من جهات الاستثمار، ويدار من قبل شركة تأمين تعاوني مستقلة عنهم، بحيث تقتطع نسبة معينة من رؤوس أموال المستثمرين، أو من الأرباح المتحققة، وتودع ذلك الصندوق، ويتم تغذيته بشكل دوري، وإذا حصل أي ضرر في المستقبل على أي من جهات الاستثمار المشتركة في الصندوق التعاوني فيتم جبره من ذلك الصندوق.

والحماية بهذه الطريقة جائزة، إذا استوفى التأمين ضوابطه الشرعية، سواء أكان التأمين موجهاً إلى حماية رأس المال المستثمر من أي مخاطر تؤدي إلى نقصانه، أو كان موجهاً لجبر نقصان الربح عند حد معين خلال فترة الاشتراك، أو كان الغرض منه صيانة الديون وعقود التمويل من مخاطر التعثر، أو التقلبات في معدلات العائد أو أسعار الصرف.

وعلى الرغم من أن التأمين التعاوني مشتمل في ظاهره على المبادلة النقدية (الاشتراكات مقابل التعويضات) والاحتمالية فيه قائمة (فقد تزيد التعويضات المستحقة لجهة الاستثمار على الصندوق وقد تقل) إلا أن ذلك ليس من الربا ولا من الغرر المحرم شرعاً؛ لأن المبادلة لا يقصد منها المعاوضة المالية، فلا يجري عليها أحكام وضوابط المعاوضات، وإنما الغرض منها التعاون والتكافل وتفتيت المخاطر فيما بين المستثمرين، فهي من عقود الإرفاق، ومن المعلوم أن عقد الإرفاق يغتفر فيه ما لا يغتفر في عقد المعاوضة، ولا تجري عليه قواعد الشريعة في الربا والغرر كما في عقد المعاوضة؛ ذلك أن عقد المعاوضة مبني على المشاحة بين أطراف العقد، بخلاف عقد الإرفاق فإن أساسه التعاون فيما بينهم.

وبه يعلم أن حماية الاستثمار عن طريق التأمين التعاوني ليس ضماناً للمال، وإنما هو ترتيب فيما بين المستثمرين يقصد به توزيع المخاطر فيما ينهم.

المسألة الثالثة: ضمان الطرف الثالث:

ويقصد به : ماعدا مدير الاستثمار والمستثمر.

والتزام الطرف الثالث له حالتان:

الحال الأولى: أن يكون على سبيل التبرع، فهذا جائز، سواء أكان بنية الرجوع على العامل أم لا، بشرط أن يكون للضامن ذمة مالية مستقلة عن العامل. والأغلب في هذه الحال أن يكون الضامن جهة حكومية. والغرض منه تشجيع الناس على المشاركة في المشروعات الاستثمارية المتعلقة بالمرافق العامة ونحوها، والتي قد يحجم كثير منهم عنها لولا وجود هذا الضمان(13).

والحال الثانية: أن يكون هذا الالتزام بأجر، فإن لم يكن بنية الرجوع على العامل فهذا هو التأمين التجاري المحرم، وهو ما تقوم به بعض المصارف التقليدية، حيث تؤمن على أموال المستثمرين لدى شركات تأمين تجارية، وإن كان بنية الرجوع (الكفالة) فينظر: فإن كانت كفالة مطلقة – أي غير مقيدة بتعدي العامل أو تفريطه – فيجري فيها الخلاف في حكم أخذ الأجر على الضمان الشخصي (الكفالة). وليس هذا موضع البسط في هذه المسألة، فقد كتب فيها بحوث متعددة.

والذي يترجح للباحث فيها أن إطلاق القول بجواز أخذ الأجر على الضمان أو بمنعه فيه نظر. فيمنع أخذ الأجر على الضمان إذا آل الضمان إلى قرض؛ لما يترتب عليه من القرض بفائدة، وأما إذا كان لا يؤول إلى قرض فليس في الأدلة الشرعية ما يمنع منه، ولا يترتب عليه محظور شرعي، ومما يؤيد ذلك: ما ذكره بعض فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة من جواز أخذ ثمن الجاه(14)، مع أن العلل التي ذكرها المانعون من أخذ الأجر على الضمان متحققة فيه، إلا أنه يفارق الضمان بكونه لا يؤول إلى القرض، لأن صاحب الجاه لا يغرم، بخلاف الضامن فإنه يغرم، وهذا يبين أن الإجماع المحكي في تحريم الأجر على الضمان ينبغي حمله على ما إذا كان يؤدي إلى القرض بمنفعة.

وبناء على ذلك فيجوز للبنك الضامن أخذ الأجر على الضمان في الحالات التي لا تؤول إلى القرض، ومنها:

1 – إذا كان الضمان الصادر من البنك مغطى، أي أودع العميل مبلغاً يعادل مبلغ الضمان ليحجز عليه البنك، فالأجر هنا ليس في مقابل قرض ولا ما يؤول إلى القرض؛ لأن المصرف لا يدفع من ماله شيئاً وإنما يدفع ما التزمه بموجب الضمان من مال المضمون عنه.

2 – إذا كان الأجر مشروطاً على أنه في الحال التي يتم فيها تغريم الضامن (تسييل خطاب الضمان) فإنه لا يرجع عن المضمون عنه إلا بمقدار المبلغ الذي غرمه مخصوماً منه الأجر الذي أخذه عند إصدار الضمان، وذلك حتى لا يؤول الضمان إلى قرض بفائدة للضامن.

ويجوز للضامن أن يأخذ الأجر مقابل الخدمات الأخرى المقدمة لطالب خطاب الضمان، وتحميله المصروفات الإدارية، سواء أكان الضمان مغطى أم غير مغطى، على أن يكون ذلك بأجر المثل(15).

المسألة الرابعة: تطوع العامل بالضمان:

والمقصود بذلك أن يتبرع مدير الاستثمار بعد عقد الاستثمار بالتزام الضمان.

وإلى صحة هذا التبرع ذهب بعض فقهاء المالكية. قال في حاشية الدسوقي: «وأما لو تطوع العامل بالضمان ففي صحة ذلك القراض وعدمها خلاف»(16). وقاسوا جواز ذلك على ما إذا تطوع الوديع والمكتري بضمان ما بيده إذا كان هذا التطوع بعد تمام العقد(17).

وجمهور المالكية على التحريم حتى ولو تطوع بالضمان بعد العقد لأنه يكون متهماً برغبته في استدراج رب المال وإبقاء رأس المال بيده(18).

والأقرب – والله أعلم – القول الأول وهو الصحيح لأن المحرم هو أن يكون الضمان مشروطاً في عقد الاستثمار، أما إذا كان تطوعاً بعد العقد فلا يظهر المنع.

المسألة الخامسة: إقراض المدير محفظة الاستثمار في حال العجز:

من الإجراءات المتبعة في بعض الصناديق الاستثمارية والصكوك أن يقوم مدير الاستثمار بتقديم تمويل للصندوق أو لحملة الصكوك بقرض حسن في حال نقص رأس المال أو نقص الربح الفعلي عن الربح المتوقع.

ولا يخلو التمويل الذي يقدمه المدير للصندوق أو لحملة الصكوك من أحد احتمالين:

الأول : أن يكون تطوعاً منه بعد العقد – أي بغير التزام سابق – فالأظهر .. والله أعلم .. هو جواز ذلك؛ إذ لا يترتب عليه محظور شرعي.

والثاني: أن يكون بالتزام من المدير بذلك، فيحرم؛ لأنه جمع بين القرض والمعاوضة؛ ولأنه يؤدي إلى الالتزام بالتعويض، وهو محرم، وفي البيان الصادر من المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ما نصه: «لا يجوز لمدير الصكوك، سواء أكان مضارباً أم شريكاً أم وكيلاً بالاستثمار، أن يلتزم بأن يقدم إلى حملة الصكوك قرضاً عند نقص الربح الفعلي عن الربح المتوقع، ويجوز أن يكون احتياطي لتغطية حالة النقص بقدر الإمكان، بشرط أن يكون ذلك منصوصاً عليه في نشرة الاكتتاب. ولا مانع من توزيع الربح المتوقع تحت الحساب».

(1) البحر الرائق 6/313، البهجة شرح التحفة 2/217، ميارة على العاصمية 2/131، المغني 7/76.

(2) انظر: المبسوط 22/102، رد المحتار 8/447، شرح الخرشي 6/216، القوانين الفقهية ص211، روضة الطالبين 5/136، نهاية المحتاج 5/236، المغني 7/165، شرح المنتهى 2/333، المحلى 8/248.

(3) أخرجه الطبراني في الأوسط ص175، والدارقطني 3/87، البيهقي 6/111، من طريق أبي الجارود عن حبيب بن يسار عن ابن عباس رضي الله عنهما. وأبو الجارود قال فيه الدارقطني وغيره: ضعيف. انظر: التلخيص الحبير 3/85، التعليق المغني على الدارقطني 3/87.

(4) بدائع الصنائع 6/77، حاشية الدسوقي 3/354، تحفة المحتاج 5/291، المغني 5/22.

(5) ومن الممكن أن يوفر مبلغ القرض من تمويل (التورق أو غيره) بالريال، إذا لم يكن عنده سيولة تكفي لذلك.

(6) المغني 6/436، مجموع الفتاوى لابن تيمية 20/515، إعلام الموقعين 1/386، المقاصة بين الفوائد الدائنة والمدينة، د. نزيه حماد (في فقه المعاملات المالية المعاصرة) ص294.

(7) المعرب ص309.

(8) شرح الخرشي 5/78، تحفة المحتاج 4/322.

(9) أخرجه مالك في الموطأ 6/25، وأحمد 2/183، وأبو داود، كتاب البيوع، باب في العربان برقم 3502، وابن ماجه، كتاب التجارات، باب بيع العربان برقم 2192، وضعفه الإمام أحمد، المغني 6/331، والبيهقي 5/342، والنووي، المجموع 9/335، والشوكاني، نيل الأوطار 6/236.

(10) المغني 6/331، الإنصاف 11/25.

(11) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب البيوع والأقضية، باب في العربان 7/306، والبيهقي، كتاب البيوع، باب ما جاء في بيع دور مكة 6/34، وعلقه البخاري في صحيحه 5/75، فتح الباري.

(12) الأسواق الحاضرة والمستقبلة ص183، الأسواق المالية، الأسواق المالية مفاهيم وتطبيقات ص163، إدارة الاستثمارات ص264.

(13) مثال ذلك: ضمان الحكومة في السعودية نسبة من قيمة الاكتتاب في أسهم شركة الكهرباء المملوكة بالأغلبية للحكومة.

(14) حاشية الدسوقي 3/224، المغيار المعرب 6/365، الفروع 4/207.

(15) المعايير الرعية، معيار الضمانات ص61.

(16) حاشية الدسوقي 3/520، حاشية العدوي 6/206.

(17) شرح الزرقاني مع حاشية الرهوني 6/206.

(18) شرح الزرقاني مع حاشية الرهوني 6/323.

 

You may also like

Leave a Comment