Home مقالات خطـاب الضمان

خطـاب الضمان

by admin

موقع الاقتصادي الاسلامي

د. يوسف صالح محمود
باحث اقتصادي

يعد خطاب الضمان من الأنشطة المصرفية المهمة، فقد أصبح أداة للتعامل خاصة في مجال المقاولات. حيث يصدره البنك بناء على طلب أحد عملائه، ويتعهد البنك فيه بأن يدفع في حالة المطالبة مبلغاً من المال للجهة المستفيدة التي أُصدر خطاب الضمان لصالحها نيابة عن العميل (طالب خطاب الضمان). ويقوم العميل بتقديم الخطاب للجهة المستفيدة كوثيقة ضمان.

وهناك عدة أنواع من خطاب الضمان، فقد يكون ابتدائياً ينتهي بعدم رُسُو المناقصة، فإذا نكل المضمون عنه بعد رُسو المناقصة عليه فإن البنك يدفع المبلغ المتفق عليه، وقد يكون نهائياً كضمان حسن التنفيذ بعد رسو المناقصة، وقد يكون ضمان الدفعة المقدمة.

وفي هذا البحث نتناول: آراء الفقهاء في تكييف خطاب الضمان، خطاب الضمان يتضمن وكالة، العلاقة بين الضامن والمضمون عنه ليست علاقة قرض واستقراض، وأخذ عمولة على إصدار خطاب الضمان.

أولاً‭ – ‬آراء‭ ‬الفقهاء‭ ‬في‭ ‬تكييف‭ ‬خطاب‭ ‬الضمان

اختلف الفقهاء في تكييف خطاب الضمان، فمنهم من يرى أنه ضمان، والبنك ضامن، وممن ذهب إلى ذلك اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية. جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: «إن المصرف ضامن لعميله لدى المستفيد بعمالة»(1).

وقال الدكتور وليد بن هادي: «أقوى الأقوال أن خطاب الضمان ضمان وإن كان مغطى، فإن الغطاء رهن»(2).

ومن الفقهاء من يرى أن خطاب الضمان وكالة إذا كان مغطى، وكفالة (ضمان) إذا كان غير مغطى، مع بقاء علاقة الكفالة لصالح المكفول له، وهذا رأي مجمع الفقه الإسلامي الدولي. جاء في قرار المجمع بشأن خطاب الضمان ما يلي: «خطاب الضمان بأنواعه الابتدائي والانتهائي لا يخلو إما أن يكون بغطاء أو بدونه، فإن كان بدون غطاء، فهو: ضم ذمة الضامن إلى ذمة غيره فيما يلزم حالاً أو مآلاً، وهذه هي حقيقة ما يعنى في الفقه الإسلامي باسم: الضمان أو الكفالة. وإن كان خطاب الضمان بغطاء فالعلاقة بين طالب خطاب الضمان وبين مُصدره هي: الوكالة، والوكالة تصح بأجر أو بدونه مع بقاء علاقة الكفالة لصالح المستفيد (المكفول له)(3).

ثم إن الفقهاء اختلفوا في حالة أداء الكفيل مبلغ الضمان؛ هل يشبه القرض أم أنه وكالة بالأداء.

جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي: «إن الكفالة هي عقد تبرع يقصد به الإرفاق والإحسان، وقد قرر الفقهاء عدم جواز أخذ العوض على الكفالة، لأنه في حالة أداء الكفيل مبلغ الضمان يشبه القرض الذي جر نفعاً على المقرض، وذلك ممنوع شرعاً»(4). ووفقاً لهذا القرار فإن خطاب الضمان في حالة أداء الكفيل مبلغ الضمان يشبه القرض.

لا‭ ‬يجوز‭ ‬أخذ‭ ‬العوض‭ ‬على‭ ‬الكفالة‭ ‬لأن‭ ‬أداء‭ ‬الكفيل‭ ‬مبلغ‭ ‬الضمان‭ ‬يشبه‭ ‬القرض‭ ‬الذي‭ ‬جر‭ ‬نفعاً‭ ‬على‭ ‬المقرض‭ ‬وذلك‭ ‬ممنوع‭ ‬شرعاً

ويرى الدكتور سامي حمود أن ذلك وكالة بالأداء، فالكفالة بالأمر ما هي إلا وكالة بالأداء. يقول: «إن تكييف خطاب الضمان المصرفي على أنه وكالة لا يبدو متبايناً مع نظرة الفقه الإسلامي للموضوع في نطاق الكفالة بالأمر التي يرجع فيها الكفيل بما يدفع على من أمره بذلك تماماً كما يرجع الوكيل، لأن الكفالة بالأمر ما هي إلا وكالة بالأداء»(5).

يتبين لنا من هذه النصوص الفقهية أن الفقهاء المعاصرين اختلفوا في تكييف خطاب الضمان، فمنهم من يرى أن خطاب الضمان ضمان، ومنهم من فرق بين خطاب الضمان؛ فإما أن يكون مغطى أو غير مغطى، فإذا كان مغطى فإنه يكيف على أنه وكالة، وإذا كان غير مغطى فإنه يكيف على أنه كفالة (ضمان).

ثانياً‭ – ‬عندما‭ ‬يتضمن‭ ‬خطاب‭ ‬الضمان‭ ‬وكالة

إن خطاب الضمان سواء أكان مغطى أم غير مغطى فإنه من أنواع الضمانات، حيث إن البنك هو الضامن، والمتعامل (المقاول) هو المضمون عنه، والمستفيد هو المضمون له، وهذا لا يتنافى مع الوكالة؛ وذلك لأن الكفالة (الضمان) تتضمن معنى الوكالة، والكفيل بمعنى الوكيل. والوكالة أعم من الكفالة (الضمان).

وقد قال الراغب الأصفهاني: «وربما فسر الوكيل بالكفيل، والوكيل أعم؛ لأن كل كفيل وكيل، وليس كل وكيل كفيلاً(6).

وقد جاء في اشتقاق أسماء الله لأبي القاسم الزجاجي: «والوكيل: الكفيل أيضاً، كذلك قالوا في قوله تعالى في سورة يوسف: وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقول وَكِيل: أي: كفيل(7).

وجاء في لسان العرب لابن منظور: «في أسماء الله تعالى الوكيل: هو المقيم الكفيل بأرزاق العباد… يقال: توكل بالأمر إذا ضمن القيام به»(8).

وعندما نقول إن الضمان يتضمن وكالة، فهذا يعني أن الضمان هو الأصل، ويأتي دور الوكالة بشكل تبعي. ففي حالة أداء الكفيل مبلغ الضمان فإن ذلك يعتبر وكالة بالأداء. وهناك حالتان: فإما أن يكون خطاب الضمان مغطى، حيث إن طالب خطاب الضمان قام بإيداع ما يغطي الخطاب لدى البنك، وإما أن يكون خطاب الضمان غير مغطى، حيث إن طالب خطاب الضمان لم يقم بإيداع ما يغطي الخطاب، وفي كلتا الحالتين فإن الضمان يتضمن وكالة، بمعنى أن البنك يصبح وكيلاً بدفع مبلغ من المال نيابة عن طالب خطاب الضمان.

ففي الحالة الأولى إذا قام الطالب بإيداع ما يغطي الخطاب ودفع البنك مبلغاً من المال نيابة عن المتعامل، فإن البنك لا يرجع على العميل بما دفع عنه لأن خطاب الضمان كان مغطى.

وهذا يتوافق مع ما ذهب إليه بعض الفقهاء الذين يرون أن خطاب الضمان يتضمن معنى الوكالة إذا كان بغطاء، فقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن خطاب الضمان، ما يلي: «إن كان خطاب الضمان بغطاء فالعلاقة بين طالب خطاب الضمان وبين مُصدره هي الوكالة، والوكالة تصح بأجر أو بدونه مع بقاء علاقة الكفالة لصالح المستفيد (المكفول له)(9).

وقال الدكتور علي أحمد السالوس: «إذا كان العميل أودع لدى المصرف ما يغطي الخطاب فإن العلاقة بينهما علاقة وكالة، حيث وكل العميل المصرف ليقوم بالأداء»(10).

وفي الحالة الثانية إذا لم يقم الطالب بإيداع ما يغطي الخطاب لدى البنك، ودفع البنك مبلغاً من المال نيابة عن العميل، فإن البنك يرجع على العميل بما دفع عنه لأن خطاب الضمان كان غير مغطى. وفي هذه الحالة أيضاً يتضمن الضمان وكالة، والوكيل يرجع على موكله بما دفع عنه. فمثلاً إذا دفع البنكُ مائة ألف درهم للجهة المستفيدة فإنه (أي: البنك) يرجع على العميل بما دفع عنه.

إذا‭ ‬كان‭ ‬خطاب‭ ‬الضمان‭ ‬بغطاء‭ ‬فالعلاقة‭ ‬بين‭ ‬طالب‭ ‬خطاب‭ ‬الضمان‭ ‬ومُصدره‭ ‬هي‭ ‬الوكالة‭ ‬وهي‭ ‬تصح‭ ‬بأجر‭ ‬أو‭ ‬بدونه

وهذا يتوافق مع ما ذهب إليه بعض الفقهاء حيث إنهم يرون أن خطاب الضمان يتضمن معنى الوكالة سواء أكان خطاب الضمان بغطاء أو بدونه، بمعنى أن خطاب الضمان في حالة أداء الكفيل (البنك) مبلغ الضمان فإن البنك بمثابة الوكيل، ويرجع على موكله بما دفع إن كان خطاب الضمان غير مغطى. يقول الدكتور سامي حمود: «وتكييف العلاقة بين الآمر والمصرف مصدر الخطاب على أساس الوكالة لا يتنافى مع حق الأخير في الرجوع على الآمر بما دفع، وذلك لأن الوكيل يرجع على موكله بما دفع عنه طبقاً للقواعد العامة، باعتبار الموكل ملزماً بأن يرد للوكيل ما أنفقه في تنفيذ الوكالة التنفيذ المعتاد»(11).

ويقول أيضاً: «خطاب الضمان المصرفي هو توكيل بدفع مبلغ معين لمستفيد معين عندما يطلب ذلك المستفيد المذكور في الخطاب سواء أكان هناك دين مستحق أم لم يكن هناك أي دين»(12).

ويقول محمد باقر الصدر في تعريف خطاب الضمان: «..هو تعهد من البنك بقبول دفع مبلغٍ معينٍ لدى الطلب إلى المستفيد في ذلك الخطاب نيابة عن طالب الضمان عند عدم قيام الطالب بالتزاماتٍ معينة قِبلَ المستفيد»(13). وقوله: «نيابةً عن طالب الضمان»، أي: وكيلاً عنه.

ونخلص من هذا إلى القول بأن خطاب الضمان من أنواع الضمانات كضمان ما وجب، وضمان ما لم يجب، وضمان الدرك، وضمان العارية.. وغير ذلك من الضمانات. والضمان يتضمن وكالة، والبنك إذا دفع مبلغاً من المال نيابة عن العميل فإنه (أي: البنك) يدفع بصفته وكيلاً عن طالب خطاب الضمان، سواء أكان الخطاب بغطاء أو بدونه. فمثلاً إذا دفع البنك (الوكيل) مائة ألف درهم نيابة عن العميل فإن الدين يسقط عن العميل الموكل ويثبت دين جديد في ذمته (أي: موكله). وهذا الدين يسمى «دين الوكالة»، وليس بقرض. بمعنى أن البنك دفع المال بصفته وكيلاً لا بصفته مقرضاً، ومن المعلوم أن المقرض لا يقوم مقام المقترض، أما الوكيل فإنه يقوم مقام الموكل.

وفيما يلي نقدم بعض الأمثلة لإثبات أن الضمان يتضمن وكالة سواء أودع العميل لدى البنك ما يغطي الخطاب أم لم يودع.

مثال: إذا لم يودع العميل لدى البنك ما يغطي الخطاب:

أصدر البنك خطاب ضمان بناء على طلب أحد عملائه، وتعهد البنك بأن يدفع في حالة المطالبة مبلغاً من المال وقدره مائة ألف درهم للجهة المستفيدة نيابة عن طالب الضمان عند عدم قيام الطالب بالتزاماته، فلم يقم الطالب بالتزاماته، فطلب المستفيد من البنك قيمة الخطاب، فدفع البنك إليه مائة ألف درهم نيابة عن العميل، وسقط الدين عن العميل. ثم رجع البنك بما دفعه على العميل (طالب خطاب الضمان)، فأعطى العميل البنكَ مائة ألف درهم.

ويتبين لنا من هذا المثال أن طالب خطاب الضمان عندما لم يقم بتنفيذ التزاماته فإنه يصبح مديناً (أي: عليه دين للجهة المستفيدة)، وقد أسقط البنك عنه الدين بعدما دفع البنك الوكيل مائة ألف درهم نيابة عنه. والآن ثبت للبنك دين على العميل لأن البنك دفع عنه مبلغاً من المال نيابة عنه. وبعبارة أخرى سقط دين عن العميل وثبت في ذمته دين جديد للبنك، لأن البنك أسقط عنه الدين الأول نيابة عنه وقد ثبت دين جديد في ذمة العميل الموكل. والدين الجديد يسمى «دين الوكالة»، وليس بقرض، بمعنى أن البنك دفع المال بصفته وكيلاً عن العميل لا بصفته مقرضاً.

مثال: إذا أودع العميل لدى البنك ما يغطي الخطاب:

الآن نفترض أن العميل أودع لدى البنك ما يغطي الخطاب، أي: مائة ألف درهم (وديعة)، وعندما طلب المستفيد من البنك قيمة الخطاب، فإن البنك يدفع إليه مائة ألف درهم نيابة عن العميل، فسقط الدين عن العميل، ولم يرجع البنك بما دفعه على العميل (طالب خطاب الضمان)، لأنه خصم المبلغ من حساب العميل.

ويتبين لنا مما سبق أن البنك وكيل بالأداء سواء أودع العميل (الموكل) لدى البنك ما يغطي الخطاب أو لم يودع. وهذا يعني أنه لا يوجد فرق من حيث التوكيل بالأداء بين أن تقول لشخص: «خذ هذه الألف دينار وادفعها إلى فلان»، أو أن يكون الأمر مبنيًا على وعد بالدفع اللاحق كأن تقول له: «ادفع لفلان مائة دينار وسأدفعها لك فور قيامك بهذا(14).

ثالثاً‭ – ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الضامن‭ ‬والمضمون‭ ‬عنه‭ ‬ليست‭ ‬علاقة‭ ‬قرض‭ ‬واستقراض

هناك ثلاثة أطراف في عملية خطاب الضمان: طالب خطاب الضمان، والبنك، والمستفيد. والبنك يعطي المال للمستفيد، فإذا افترضنا أن البنك مقرض، وطالب خطاب الضمان مقترض فإنه يجب على المستفيد أن يقبض المال لطالب خطاب الضمان لا لنفسه، وذلك لأن القرض يفتقر إلى قبض. وكما هو واضح فإن المستفيد يقبض قيمة خطاب الضمان لنفسه ولا يقبض لغيره، من هنا يتبين لنا أن العلاقة بين الضامن والمضمون عنه ليست علاقة قرض واستقراض. وقد ذكر العلماء أنه يجب على المقترض أن يقبض المال المقترَض بنفسه أو بوكيله وهنا ليس المستفيد (الشركة) وكيلاً عن طالب خطاب الضمان (المقاول).

ولكي نفهم أن العلاقة بين الطرفين (أي: البنك وطالب خطاب الضمان) ليست علاقة قرض واستقراض نعرض بعض النصوص الفقهية التي وردت بشأن القرض بفرض أن العلاقة بين الضامن والمضمون عنه قرض واستقراض. فمثلاً جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: «القرض: فالجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة على أنه يشترط لنقل ملكيته إلى المقترض القبض»(15).

البنك‭ ‬وكيل‭ ‬بالأداء‭ ‬سواء‭ ‬أودع‭ ‬العميل‭ ‬لدى‭ ‬البنك‭ ‬ما‭ ‬يغطي‭ ‬الخطاب‭ ‬أو‭ ‬لم‭ ‬يودع

ووفقاً لهذا النص فإن طالب خطاب الضمان إذا افترضنا أنه مقترض فإنه لم يقبض القرض وإنما قبضه المستفيد، والسؤال: هل هذا قرض صحيح؟ نقول: ليس هذا قرضاً صحيحاً لأنه يشترط لنقل ملكية القرض إلى المقترض؛ القبض، أي: لم يقبض المقترض (طالب خطاب الضمان) القرض، وإنما قبضه المستفيد لنفسه.

جاء في مرشد الحيران في المذهب الحنفي: «إنما تخرج العين المقترضة عن ملك المقرض وتدخل في ملك المستقرض إذا قبضها»(16). ووفقاً لهذا النص إذا دفع البنك (المقرض) المبلغ للمستفيد، فإن المال المقترض لم يدخل في ملك المستقرض (طالب خطاب الضمان). والسؤال: هل هذا قرض صحيح؟ نقول: ليس هذا قرضاً صحيحاً؛ لأنه لم يدخل في ملك المستقرض، والمستفيد قبض هذا المال لنفسه.

وقال ابن قدامة في المغني في المذهب الحنبلي: «ويثبت المِلك في القرض بالقبض»(17).

وجاء في السراج الوهاج في المذهب الشافعي: «ويملك المقترض القرض بالقبض وإن لم يتصرف فيه»(18).

وجاء في المعايير الشرعية: «مستند أن المقترض لا يملك المال المقرض إلا بالقبض أن القرض عقد اجتمع فيه جانب المعاوضة وجانب التبرع، غير أن جانب التبرع فيه أرجح»(19).

ووفقاً لهذه النصوص الفقهية إذا دفع البنك (وقلنا إنه مقرض) المبلغ للمستفيد، فإن المقترض (طالب خطاب الضمان) لم يملك المال المقرَض لأنه لا يملكه إلا بالقبض، وقد قبضه المستفيد لنفسه.

ويتبين من ذلك أن العلاقة بين الضامن والمضمون عنه ليست علاقة قرض واستقراض وإنما هي علاقة وكالة. بمعنى أن البنك يدفع المال نيابة عن طالب خطاب الضمان بصفته وكيلاً لا مقرضاً، وذلك لأن المقرض لا يقوم مقام المستقرض، بخلاف الوكيل فإنه يقوم مقام الموكل؛ فإذا كان عليك دين ولا تستطيع أن تسدده بنفسك فإنك تحتاج إلى شخص (أو بنك) توكله ليقوم مقامك في دفع الدين، وإذا دفعه عنك فإن الدين يسقط عن ذمتك؛ لأن الوكيل قام مقامك.

يقول الدكتور أحمد علي عبدالله إن عقد الضمان عقد استيثاق وليس عقد قرض، وأخذ الأجر عليه لا يدخل تحت محظورات «كل قرض جر منفعة فهو ربا». يقول: «علل ابن عابدين عدم جواز الأجر على الضمان بأن الضامن مقرض للمضمون، فإذا شرط له الجُعل مع ضمان المثل فقد شرط له زيادة على ما أقرضه وهو ربا. ونقول رداً على ذلك إن الضمان ليس بقرض… ومع ذلك فللضامن – إذا أدى الالتزام بناء على عقد الضمان – الرجوع على المضمون إذا كان ذلك ممكناً، ولكنه رجوع نشأ عن تنفيذ الالتزام السابق ولم ينشأ عن قرض بين الضامن والمضمون. وفي الختام نقول: إن عقد الضمان عقد استيثاق وليس عقد قرض… فإن أخذ الأجر على الضمان لا يدخل تحت محظورات «كل قرض جر منفعة فهو ربا» لأن الضمان ليس بقرض»(20).

رابعاً‭ – ‬أخذ‭ ‬عمولة‭ ‬على‭ ‬إصدار‭ ‬خطاب‭ ‬الضمان

اختلف الفقهاء المعاصرون في هذه المسألة، فمنهم من ذهب إلى عدم جواز أخذ الأجر على إصدار خطاب الضمان.

جاء في قرارات مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي بشأن خطاب الضمان: «إن خطاب الضمـان لا يجوز أخذ الأجر عليه لقاء عملية الضمان – والتي يراعى فيها عادة مبلغ الضمان ومدته – سواء أكان بغطاء أم بدونه»(21). ويتبين من هذا النص أنه لا يجوز أخذ الأجر على خطاب الضمان لقاء عملية الضمان سواء أكان بغطاء أم بدونه.

ومنهم من ذهب إلى جواز أخذ الأجر على إصدار خطاب الضمان.

جاء في أبحاث ندوة البركة الثالثة والثلاثين: «يجوز للمصرف أنْ يأخذ عمولة على إصداره، وأما ما لا يجوز أخذه فهي الفائدة على المبلغ التي قد تضطر المصارف لدفعها عن زبائنها إذا امتنع المكفول عن الدفع»(22). ويتبين من هذا النص أنه يجوز أخذ الأجر على إصدار خطاب الضمان.

العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الضامن‭ ‬والمضمون‭ ‬عنه‭ ‬ليست‭ ‬علاقة‭ ‬قرض‭ ‬واستقراض‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬علاقة‭ ‬وكالة

فقد جاء في «البنك اللاربوي في الإسلام»: «ويصح للبنك أن يأخذ عمولةً على خطاب الضمان هذا؛ لأن التعهد الذي يشتمل عليه هذا الخطاب يعزز قيمة التزامات الشخص المقاول، وبذلك يكون عملاً محترماً يمكن فرض جعالةٍ عليه، أو عمولةٍ من قبل ذلك الشخص»(23).

يتبين لنا من ذلك أن الفقهاء المعاصرين اختلفوا في جواز أخذ العمولة على إصدار خطاب الضمان، فمنهم من ذهب إلى عدم جواز أخذ الأجر على إصدار خطاب الضمان، ومنهم من ذهب إلى أنه يجوز ذلك لأن ما يقوم به البنك هو عمل محترم. ولبيان ذلك نقول: إن المعاملات بين البشر تتضمن ضمانات، سواء أكانت هذه الضمانات من طرف واحد أو من طرفين. فمثلاً يضمن البائع السلعة للمشتري، فيقال بهذا الصدد: السلعة في ضمان البائع حتى يقبضه المشتري، وكذلك يضمن المشتري الثمن للبائع، وهذا يعني أن البائع ضامن، والمشتري ضامن، والضمان بمعنى الالتزام، أي: يلتزم كل من البائع والمشتري بتنفيذ ما ضمنه في العقد من تسليم السلعة وتسليم الثمن.

فإذا اشترى شخص سلعة إلى أجل فإنه يضمن دفع الثمن في الوقت المحدد في العقد، وقد ينضم إليه ضامن آخر، فإذا قال البائع للمشتري: ائتني بضمين، فإنه يأتي بمن ينضم إليه في الضمان. وفي هذه الحالة نقول: هناك ذمتان، وهذا هو المقصود من ضم الذمة إلى الذمة.

وإذا شُرط الضمان في العارية فإن المستعير يصبح ضامناً، وقد جاء في صحيح سنن أبي داود عن صفوان بن أمية: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونة»(24). أي: إن النبي صلى الله عليه وسلم أصبح بموجب العقد ضامناً. وقد ينضم إليه ضامن آخر، فإذا قال صاحب العارية المضمونة للمستعير: ائتني بضمين، فإنه يأتي بمن ينضم إليه في الضمان. وإذا انضم إلى الضامن (كالمستعير الضامن) ضامن آخر (أي: ضامن المستعير) فإننا نقول: هناك ذمتان، وهذا هو المقصود من ضم الذمة إلى الذمة. وفي هذه الحالة يجوز لمن انضم إلى الضامن أن يتقاضى أجراً، كما يجوز له أن ينضم إليه متبرعاً، فالضامن يقدم خدمة لطالب الخدمة.

وفي مجال المقاولات يضمن المقاول إتمام العمل على أكمل وجه، فهذا يعني أن المقاول ضامن، وقد يحتاج إلى من ينضم إليه في الضمان، وفي هذه الحالة يجوز لمن انضم إلى الضامن أن يتقاضى أجراً، كما يجوز له أن ينضم إليه متبرعاً؛ وذلك لأنه يقدم خدمة لطالب الخدمة.

وعلى هذا الأساس فإن المقاول يذهب إلى البنك ويطلب منه أن يصدر له خطاب الضمان مقابل عمولة (أجر)، ويقبل البنك، وهذا يعتبر أنه ضم ذمة إلى ذمة، أي: ضم ضمان إلى ضمان.

وهذا لصالح صاحب المشروع، إذ يوجد هناك بالنسبة له ضامنان: المقاول والبنك، فإذا قام البنك بإصدار خطاب الضمان، وأخذ العمولة، فإن هذه العمولة التي أخذها البنك تدخل في ربح ما ضمن، أي: يحل للبنك أن يأخذ العمولة لأنه انضم إلى المقاول (طالب خطاب الضمان)، وإذا لم يقم المقاول بإتمام العمل المطلوب منه فإنه (أي: المقاول) يعتبر مديناً لصاحب المشروع، ويجب على البنك (الضامن) أن يلتزم بدفع المبلغ المحدد في خطاب الضمان لدى الطلب (حسب الاتفاق)، ثم يرجع (أي: البنك) بما دفعه على المقاول، لأن البنك لم يكن مديناً وإنما دفع المبلغ نيابة عن المقاول (أي: موكله).

وكما يجوز للبنك أن يأخذ العمولة فكذلك يجوز له أن يتبرع بعمله، فقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ – قَالَ – وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَة»(25).

وهناك فرق بين العقد بنية التبرع والعقد بنية عدم التبرع، فإذا تبرع بعمله فإنه لا يجوز له أخذ الأجر على عمله كالحميل المتبرع، وقد قال ابن المنذر في الإشراف: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الحمالة بجُعل يأخذه الحميل لا تحل ولا تجوز»(26). وهذا الإجماع ينطبق على الحميل الذي يتبرع بعمله ولا يرجع على المحمول عنه بما أدى.

وأما إذا لم يتبرع بعمله فإنه يجوز له أخذ الأجر على عمله. وهذا يعني أنه يجوز للإنسان أن يتطوع بعمله ويجوز له أن يتقاضى عليه أجراً (عمولة)، كما هو الحال في شركات الاستشارات الشرعية؛ فإنها تقدم خدمة الاستشارات الشرعية وتضمن كلمة طيبة لزبائنها وتتقاضى أجراً مقابل تقديم الخدمات الاستشارية.

فإذا ذهب المقاول إلى البنك وطلب منه أن يصدر له خطاب ضمان مقابل أجر، وقبل البنك، فإن المقاول يضمن للبنك أن يعطيه أجراً، ويضمن البنك أن يصدر له خطاب الضمان. وفي هذه المرحلة فإن العلاقة بين المقاول والبنك محصورة في إصدار خطاب الضمان وأخذ العمولة. فإذا قام البنك بإصدار خطاب الضمان وقبضه المقاول وأخذ البنك العمولة فإن البنك يعتبر هذه العمولة التي أخذها ربحاً (أي: تدخل في ربح ما ضُمن)، ويلتزم البنك بدفع المبلغ المحدد في خطاب الضمان لدى الطلب للجهة المستفيدة حسب الاتفاق.

العمولة‭ ‬التي‭ ‬يتقاضاها‭ ‬البنك‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬إصدار‭ ‬خطاب‭ ‬الضمان‭ ‬هي‭ ‬أجر‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬به

ويتبين من ذلك أن العمولة التي يتقاضاها البنك في حالة إصداره خطاب الضمان هي أجر على العمل، والأجر قد يكون مبلغاً مقطوعاً مثل عشرين ألف درهم – مثلاً -، وقد يكون مبلغاً محدداً بالنسبة مثل 1% أو 2%، حيث لا عبرة بالنسبة التي هي طريقة للمحاسبة مادام لم تكن هناك علاقة بين دائن ومدين(27). والنسبة المئوية أقرب إلى العدالة، وذلك لأن الأجر إذا كان مبلغاً مقطوعاً مثل عشرين ألف درهم – مثلاً – فقد تكون تكلفة المشروع عشرون ألف درهم، وفي هذه الحالة لا يبقى للمقاول شيء.  جاء في أبحاث ندوة البركة الثالثة والثلاثون: «يجوز للمصرف أنْ يأخذ عمولة على إصداره، وأما ما لا يجوز أخذه فهي الفائدة على المبلغ التي قد تضطر المصارف لدفعها عن زبائنها إذا امتنع المكفول عن الدفع»(28).

وقد يظن البعض أن البنك يكون غارماً (مديناً) بمجرد أن يصدر خطاب الضمان، ولكنه ليس كذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ»(29). والزعيم الغارم هو الحميل الذي يتحمل الدين ولا يرجع على المدين المضمون عنه فيصبح غارماً (أي: مديناً) بمجرد أن يتحمل الدين، أما الكفيل الذي ينوي الرجوع على المكفول عنه فإنه لا يصبح غارماً بمجرد الكفالة. وخلاصة ما سبق أن العلاقة بين طالب خطاب الضمان ومُصدره (البنك) من حيث دفع المبلغ المطلوب هي الوكالة، ويرجع البنك (الوكيل) على طالب خطاب الضمان (الموكل) بما دفعه نيابة عنه إذا كان خطاب الضمان بدون غطاء، ولا يأخذ منه أية زيادة على المبلغ الذي دفعه للمستفيد. والبنك قائم مقام طالب خطاب الضمان في الدفع، وعلى هذا الأساس فإن العلاقة بين المستفيد والبنك هي مثل العلاقة بين المستفيد وطالب خطاب الضمان من حيث دفع المبلغ المطلوب.

والعمولة التي يتقاضاها البنك في حالة إصدار خطاب الضمان هي أجر على العمل الذي يقوم به؛ لأن هذا العمل ليس على أساس التبرع.

المراجع

(1) فتاوى اللجنة الدائمة، ج13، ص304. وترى اللجنة أنه لا يجوز أخذ الأجر على خطاب الضمان، قالت: “إن المصرف ضامن لعميله لدى المستفيد بعمالة، وهذا لا يجوز؛ لأن الضمان غير متقوم، فلا يقابل بمال، بل يبذل على وجه المعروف والإرفاق؛ ابتغاء مرضاة الله“.

(2) أصول ضبط المعاملات المعاصرة، د. وليد بن هادي، ط1، 1432هـ ، 2011م، ص370.

(3) قرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي، قرار رقم 12 (12/2)، 1406هـ الذي يوافقه 1985م.

(4) المرجع السابق.

(5) مجلة مجمع الفقه الإسلامي (خطاب الضمان، إعداد: د. سامي حمود)، العدد الثاني، ج2، ص1125.

(6) مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني: حرف الواو – وكل.

(7) اشتقاق أسماء الله لأبي القاسم الزجاجي المتوفى سنة340هـ، في شرح اسم الوكيل، ص136.

(8) لسان العرب لابن منظور، حرف الواو – وكل.

(9) قرارات مجمع الفقه الإسلامي، مرجع سابق.

(10) الاقتصاد الإسلامي والقضايا الفقهية المعاصرة، د. علي أحمد السالوس، مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع، 1418هـ ، 1998م ، ص766.

(11) مجلة مجمع الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص1123.

(12) مجلة مجمع الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص1154. تقرير ندوة البركة الثانية بتونس، خطاب الضمان المصرفي ومدى جواز أخذ الأجر عليه، د. سامي حمود.

(13) البنك اللاربوي في الإسلام، محمد باقر الصدر، ص128.

(14) مجلة مجمع الفقه الإسلامي: (تقرير ندوة البركة الثانية بتونس سنة 1405هـ/ 1984م، خطاب الضمان المصرفي ومدى جواز أخذ الأجر عليه)، العدد الثاني، ج2، ص1158.

(15) الموسوعة الفقهية: ج30، ص231 -232.

(16) مرشد الحيران، محمد قدري باشا، ص113.

(17) المغني لابن قدامة، دار عالم الكتب للطباعة، الرياض، سنة النشر 1417هـ ، 1997م، ج6، ص431.

(18) السراج الوهاج للغمراوي (شرح المنهاج للنووي)، دار الجيل، بيروت، لبنان، 1408هـ، 1987م، ص211.

(19) االمعيار الشرعي رقم (19)، القرض.

(20) مجلة مجمع الفقه الإسلامي: (جواز أخذ الأجر أو العمولة في مقابل خطاب الضمان للشيخ أحمد علي عبدالله): العدد الثاني، ج2، ص1138- 1139.

(21) قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة 1406هـ، الموافق 1985م، قرار رقم 12 (12/2) بشأن خطاب الضمان.

(22) بحوث ندوة البركة الثالثة والثلاثون، 1432ه، 2011م، جدة، عمولات السحب النقدي وخطاب الضمان والاعتماد المستندي للأستاذ موسى عبدالعزيز شحادة، والدكتور علي محمد أبو العز، ص290.

(23) البنك اللاربوي في الإسلام، محمد باقر الصدر، ص131.

(24) صحيح سنن أبي داود (تحقيق الألباني: صحيح)، أبواب الإجارة، باب تضمين العارية، رقم الحديث 3562، ج2، ص388.

(25) صحيح مسلم: عَن أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه، كتاب الزكاة، باب: وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه، رقم الحديث 2335.

(26) الإشراف على مذاهب العلماء لابن منذر، مكتبة مكة الثقافية، ط1، 1425هـ ، 2005م، ج6، ص230.

(27) مجلة مجمع الفقه الإسلامي، (تقرير ندوة البركة الثانية بتونس سنة 1405هـ/ 1984م، خطاب الضمان المصرفي ومدى جواز أخذ الأجر عليه) العدد الثاني، ج2، ص1161.

(28) بحوث ندوة البركة الثالثة والثلاثون  1432ه، 2011م، جدة، عمولات السحب النقدي وخطاب الضمان والاعتماد المستندي، مرجع سابق، ص290.

(29) صحيح سنن أبي داود، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، رقم الحديث 3565، ج2، ص389.

 

You may also like

Leave a Comment