Home مقالات دور الوقف في تعزيز العمل التطوعي البيئي

دور الوقف في تعزيز العمل التطوعي البيئي

by admin

موقع الاقتصادي الاسلامي

د. عادل عبدالرشيد
استشاري في الهيئة العامة للأرصاد وحماية البيئة
المملكة العربية السعودية

يتزايد الاهتمام في مختلف الدول والمجتمعات في العالم نحو تعزيز العمل التطوعي في شتى مجالات الحياة ومن ضمنها المجال البيئي، حيث ينشط المتطوعون البيئيون والجمعيات البيئية غير الحكومية في حماية بيئتهم المحيطة ومعالجة مشكلاتها.

وسوف نبحث في هذه الدراسة كيفية تعزيز العمل التطوعي البيئي في العالم العربي والإسلامي من خلال الاستفادة من الوقف البيئي كآلية تمويلية جديدة مستمدة من التراث الإسلامي.

أولاً‭ – ‬مفاهيم‭ ‬أساسية

1- العمل التطوعي:

يعرف العمل التطوعي بأنه عمل غير ربحي لا يقدم نظيره أجر معلوم وهو عمل غير وظيفي/ مهني يقوم به الأفراد من أجل مساعدة وتنمية مستوى معيشة الآخرين من جيرانهم أو المجتمعات البشرية بصفة مطلقة، كما يعرف بأنه عمل يبذل لأسباب إنسانية دون مقابل مادي أو نقدي واجب السداد يمكن أن يطالب به قانونياً أو عرفياً. فالمتطوع يعني: فائض في الموارد (مالية, جهد, وقت أو خبرات) مع رغبة وإرادة ذاتية في تقديم المساعدة.

وبمزج العمل التطوعي بالبُعد الديني يمكن تعريفه على النحو الآتي: «العمل التطوعي هو القيام  بأعمال الخير وإيصال المنافع إلى الغير بدون مقابل مادي أو عائد دنيوي محسوس، بل طمعاً في رضا الله وكسب الثواب وتحقيقاً للقيم الإنسانية ومُثُلِها الراقية وتعبيراً عن الفطرة البشرية السليمة» (١).

ونجد للقيم الدينية المتجذرة والمتعمقة في المجتمع العربي والإسلامي دور كبير في تعميق روح العمل التطوعي، خاصة وقد اهتم الدين الإسلامي حتى بالأمور الصغيرة في خدمة المجتمع مثل إماطة الأذى عن الطريق، كما حث الفرد على الإيثار وحب الخير للآخرين حتى ولو كان به خصاصة.

يشكل‭ ‬العمل‭ ‬التطوعي‭ ‬البيئي‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬أنواع‭ ‬التطوع‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬تزايد‭ ‬مخاطر‭ ‬التلوث‭ ‬والإضرار‭ ‬بالبيئة‭.‬

وهناك آيات قرآنية وأحاديث شريفة كثيرة في الحث على العمل الاجتماعي الذي يعود على المجتمع بالفائدة ويبرز روح التعاون والتظافر والتكافل الاجتماعي، ونختار هنا النماذج الآتية:

(أ) نماذج من القرآن الكريم:

يقول الله تعالى (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى…) المائدة2، ويقول تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة) الحجرات10، ويقول سبحانه (فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ) البقرة184، ويقول سبحانه (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا)  الإنسان8-9، ويقول تعالى (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًاۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ )  الأنبياء90، (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) آل عمران114، (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) آل عمران104.

(ب) نماذج من السنة النبوية:

يقول النبي صلى الله عليه وسلم «الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ أَصَابِعَه»(2)، ويقول صلى الله عليه وسلم «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»(3)، ويقول «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِه»(4)، ويقول «أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وأحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سُرُورٌ يدْخِلُهُ على مسلمٍ، أوْ يكْشِفُ عنهُ كُرْبَةً، أوْ يقْضِي عنهُ دَيْنًا، أوْ يطْرُدُ عنهُ جُوعًا، ولأنْ أَمْشِي مع أَخٍ لي في حاجَةٍ أحبُّ إِلَيَّ من أنْ اعْتَكِفَ في هذا المسجدِ، يعني مسجد المدينةِ شهرًا)(5).

ومن الأقوال المتداولة لدى المسلمين والدالة على تجذر حب العمل التطوعي، قول ابن عباس رضى الله عنهما: «لأن أعول أهل بيت من المسلمين شهراً أو جمعة أو ما شاء الله أحبُّ إليّ من حجة بعد حجة، ولطبقٌ بدانق أهديه إلى أخ لي في الله عز وجل أحب إليّ من دينار أنفقه في سبيل الله عز وجل(6). وقول الحسن البصرى – رحمه الله: «لأن أقضي حاجة لأخ أحب إليَّ من أن أصلي ألف ركعة، ولأن أقضي حاجة لأخ أحب إليَّ من أن أعتكف سنة».

ومن النماذج البارزة للعمل التطوعي في التراث الإسلامي، تطوع أمير المؤمنين أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، في خدمة امرأة عجوز عمياء، فبينما هو خليفة اعتاد أن يدخل بيت هذه العجوز فيمسح الأرض وينظف ويأخذ القمامة ويحملها خارج البيت، وذلك دون أن يعلم أحد بذلك حتى المرأة العجوز لم تكن تعرفه، وتمثل الأوقاف نموذجاً متميزاً لانتشار التطوع بالأموال والممتلكات في المجتمع الإسلامي.

1- العمل التطوعي البيئي:

يشكل العمل التطوعي البيئي أحد أهم أنواع التطوع الذي ينتشر يوماً بعد يوم، خاصة مع تزايد الإدراك بأهمية مشاركة الجماعات والأفراد في حماية البيئة، في ظل انتشار مخاطر التلوث والإضرار بالبيئة.

ويتعلق العمل التطوعي البيئي بالقيام بالأعمال التي تهدف إلى الحفاظ على البيئة وحمايتها، وذلك بدون مقابل مادي. ففي مختلف دول العالم ينشط المتطوعون البيئيون والجمعيات البيئية غير الحكومية في صيانة بيئتهم المحيطة والإسهام في معالجة مشكلاتها، وما يشكل ذلك من دعم كبير للإدارة البيئية والعمل البيئي على المستوى المحلي والوطني والعالمي.

العمل‭ ‬التطوعي‭ ‬البيئي‭ ‬يتداخل‭ ‬فيه‭ ‬التطوع‭ ‬مع‭ ‬الواجب‭ ‬لأن‭ ‬حماية‭ ‬البيئة‭ ‬مسؤولية‭ ‬الجميع

ويشتمل العمل التطوعي البيئي على أنشطة مختلفة الأنواع، منها على سبيل المثال: تنظيف الشواطئ، تنظيف البر، التخضير، إنقاذ الحيوانات. وأنشطة توعوية مثل: إلقاء المحاضرات البيئية، إقامة الندوات والورش والمعارض البيئية، إعداد المواد الإعلامية البيئية، تنظيم المخيمات والحملات التوعوية البيئية، وهناك أنشطة قانونية مثل رفع دعاوى قضائية في المحاكم ضد المتورطين بالإضرار بالبيئة، تنظيم الوقفات لمناصرة القضايا البيئية مثل الوقفات الاحتجاجية للمطالبة بإغلاق مصنع أو منشأة ما تلوث البيئة أو ضد التقاعس في معالجة المشكلات البيئية من الجهات المعنية، وأنشطة علمية مثل إعداد الدراسات المتعلقة بحماية البيئة.

ويمثل تشكيل الجمعيات البيئية غير الحكومية، كحاضنة للمتطوعين البيئيين، ركيزة أساسية في الرفع من وتيرة ونوعية العمل التطوعي البيئي. وتقوم هذه الجمعيات بتنفيذ أنشطتها ذاتياً، إلا أنها كثيراً ما تستقطب التمويل من الدولة والقطاع الخاص والمنظمات المانحة، وبما يمكنها من إقامة مختلف الأنشطة والمشروعات البيئية وبما فيها ذات الطابع الاقتصادي، مثل إعادة تدوير المخلفات، والسياحة البيئية. وتعمل الجمعيات البيئية عادة في إطار التنسيق مع الإدارة البيئية الرسمية.

ومن سمات وخصوصيات العمل التطوعي البيئي الآتي:

– يتداخل فيه التطوع مع الواجب، لأن حماية البيئة مسؤولية الجميع، كما تنص بذلك بعض الدساتير والقوانين، وكما هو متعارف عليه في المجتمعات الحديثة، وبالتالي فهو تطوع لتنفيذ واجب.

– عائده الإيجابي يعود أيضاً على المتطوعين لأنهم جزء من هذه البيئة، فمثلاً نجاح متطوعين بإغلاق مصنع يلوث الهواء سيعود عليهم إيجابياً من الناحية الصحية لأنهم مع غيرهم سيتنافسون هواءً نقياً.

– يمكن القيام به من خلال تغيير بعض السلوكيات الشخصية، مثل ركوب المواصلات العامة بدلاً عن السيارة الشخصية للتقليل من تلوث المركبات، رمي القمامة في الأماكن المحددة لها، وشراء المنتجات الصديقة للبيئة، وغير ذلك.

– يتطلب التدريب المستمر وتطوير المهارات في مجال حماية البيئة، والتعلم من الآخرين ونقل التجارب.

– يحتاج دائماً إلى الإبداع في الأفكار وابتكار الحلول لمعالجة مختلف المشكلات البيئية.

– جاذب للشباب لتنوع أنشطته وفعاليته، وخاصة للطبيعة الميدانية لتنفيذ أغلب هذه الأنشطة.

– يتيح المجال للمتطوعين للتعبير عن انتمائهم لوطنهم وترجمة شعورهم من خلال أعمال تخدم بيئتهم ومجتمعهم.

ويكتسب العمل التطوعي البيئي، كأحد أنواع العمل التطوعي، أهمية دينية أيضاً، ومن الأحاديث النبوية التي تحفز على مثل هذا النوع من العمل ما يأتي:

– الإِيمان بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أو بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطرِيق»(7).

– «مَنْ نَصَبَ شَجَرَةً فَصَبَرَ عَلَى حِفْظِهَا وَالْقِيَامِ عَلَيْهَا حَتَّى تُثْمِرَ كَانَ لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُصَابُ مِنْ ثَمَرِهَا صَدَقَةٌ عِنْدَ اللَّه»(8).

– «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَة»(9).

– «إن قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةً، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا، فَلْيَغْرِسْهَا»(10).

فالحديث النبوي الأول بعد دعوة عامة للأفراد أن يكونوا ناشطين بيئيين، إذ يحفزهم للتطوع ذاتياً للعمل البيئي، من خلال رفعه لمكانة العمل البيئي بدمجه بالبعد الإيماني. فالمسلم العامل بهذا الحديث سيندفع ذاتياً لإزالة أي أذى يصادفه في الطريق، لكونه يعتبر هذا العمل الذي قد يكون بسيطاً مثل رفع بعض الأحجار من الطريق، عمل لا يستهان به باعتباره شُعبة من شعب الإيمان. وبالتبعية فإن الإسهام في الأعمال المتعلقة بإزالة مختلف أشكال الأذى والملوثات؛ من أدخنة ونفايات سائلة وصلبة وسموم كيماوية وإشعاعات نووية، لا شك سيكون أجرها عظيماً في الآخرة. كما أن الأحاديث النبوية الباقية لها دور كبير في تحفيز الأفراد على الإسهام في تخضير البيئة والاستفادة السليمة منها لصالح معيشة الإنسان والكائنات الحية.

2- الوقف:

تميزت الحضارة الإسلامية بأنها كانت صاحبة السبق في إنشاء وتطوير نمط مؤسسي جديد للعمل الخيري، وهي المؤسسات الوقفية، والتي شملت كل ما من شأنه أن يسهم في إشباع الحاجات العامة في المجتمع، حيث لم يقتصر الوقف على الفقراء والمساكين وحدهم، أو دور العبادة والعناية بها فحسب، بل امتد تأثيره واتسعت مجالاته بقدر اتساع حاجات المجتمع.

يعتبر علماء الفقه أن الوقف من خصوصيات أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فقد قال الإمام النووي: «وهو مما اختص به المسلمون»، وقد انتشر الوقف انتشاراً كبيراً في المجتمعات الإسلامية حتى قال ابن خلدون: «ما من فقير يذهب إلى بلدة من البلاد هو غريب فيها وهي غريبة عنه، إلا وتنادي بيوتاتها التي أوقفت لهذا الأمر أن أقبل إليّ فمرحباً بك».

تعتبر‭ ‬حماية‭ ‬البيئة‭ ‬ومواردها‭ ‬والمحافظة‭ ‬عليها‭ ‬وتنميتها‭ ‬واجب‭ ‬ديني‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يلتزم‭ ‬به‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬مسلم

وحول تحديد مفهوم الوقف، نجد أن العلامة ابن قدامة المقدسي (541- 620 هـ) قد لخص مفهومه قبل نحو ثمانية قرون بقوله هو «تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة»(11)، وذلك باعتبار أن الوقف «صدقة جارية» المراد منها استدامة الثواب والقرب من الله تعالى عن طريق دوام إنفاق ريع تلك الصدقة في وجه أو أكثر من وجوه البر والخيرات على اختلاف أنواعها وتعدد مجالاتها. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَان انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلَاثَة؛ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَة، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِه، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَه»(12).

فالوقف سنة دينية وعمل خيري يقوم على مبدأ الصدقة الجارية التي أقرها الدين الإسلامي الحنيف، ولا يتحقق مبدأ الصدقة الجارية إلا بالمحافظة على الوقف بما يكفل ديمومته، ويكون ذلك بمنع التصرف في العين الموقوفة بيعاً وهبةً ورهناً وإجارةً وإعارةً وتوريثاً، في الوقت الذي يتم فيه إنفاق دخله وريعه (ثمرته) على أعمال الخير التي أنشأها الواقف لأجلها(13). وللوقف غايتان كليتان تتفرع عنهما غايات جزئية عديدة، وهاتان الغايتان الكليتان هما: غاية دينية تعبدية، وغاية اجتماعية تنموية. أما الغاية الدينية التعبدية فتمنح المسلم مزيداً من الفرص التي يمكنه من خلالها استدراك ما فاته، والتقرب إلى الله تعالى بما يوقفه من أعمال البر، التي يستفيد من ثوابها مادام الناس ينتفعون بها. وأما الغاية الاجتماعية التنموية فهي غرس السعادة في نفوس الناس، وذلك بتأمين احتياجاتهم، وتوفير مطالبهم المعيشية، وإعانتهم على تجاوز الظروف الصعبة التي نزلت بهم، والارتقاء بحياتهم وتيسير أسباب التنمية والإنتاج أمامهم، وتيسير أسباب الحياة الكريمة لهم، سواء أكانت غذاءً، أو علاجاً، أو مسكناً، أو علماً، أو حياةً مزدهرة(14).

3- الوقف البيئي:

انطلاقاً مما وجد في التراث حول إسهامات الوقف في حماية البيئة، مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورات ومستجدات الحاضر، فإنه يمكننا تحديد مفهوم الوقف البيئي بأنه كل ما يتم وقفه في سبيل حماية الإطار أو الوسط الطبيعي المحيط بالإنسان بكل مكوناته من هواء وماء ونباتات وحيوانات وبحار وجبال .. وغيرها من الموارد الطبيعية، وكذا الاستفادة من هذه المكونات بطريقة رشيدة ومستدامة، كما يشتمل اهتمامه بالنظافة ومقاومة الأمراض وتعميم نشر الصحة، وتوفير الماء النظيف، والغذاء الصحي، والقضاء على الفقر، بما يسهم في نهاية المطاف بتحقيق التنمية المستدامة(15). ويأتي نشوء الوقف البيئي كنتاج لسببين رئيسين هما:

(أ) دفع المسلمين نحو العمل الخيري، ومساهمتهم في الوقف في كافة أوجه الحاجات العامة في المجتمع، كاستجابة لحث الشريعة الإسلامية الغراء على الإنفاق في أوجه البر، مثل قوله تعالى: (لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيم) آل عمران92. ومثل ما جاء في حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبعٌ يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته: من عَلّم علماً، أو أجرى نهراً، أو حفر بئراً، أو غرس نخلاً، أو بنى مسجداً، أو ورّث مصحفاً، أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته»(16). ونجد في هذا الحديث الحث على القيام بأعمال بيئية عظيمة الأثر مثل: إجراء نهر، وحفر بئر، وغرس نخل.

(ب) التوافق مع حرص الإسلام على حماية البيئة: فوفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، تعتبر حماية البيئة ومواردها والمحافظة عليها وتنميتها واجب ديني شخصي، يجب أن يلتزم به كل فرد مسلم، بموجب مسؤوليته الفردية عن رعاية نفسه ومجتمعه تجاه ربه(17). حيث تأتي حماية البيئة ضمن سلم أولويات الشريعة الإسلامية، فالحفاظ عليها حفاظ على ضرورتين من ضرورات الحياة: النفس والمال، ومن الواجبات التي أقرتها الشريعة الإسلامية المحافظة على هاتين الضرورتين؛ فجميع الوسائل التي يتم بها المحافظة عليهما تأخذ حكم الواجب سواء أكانت دفعًا أو إثباتًا، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب(18).

ثانياً‭ – ‬العلاقة‭ ‬الارتباطية‭ ‬للوقف‭ ‬بكل‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬التطوعي‭ ‬والبيئة‭ ‬والتنمية‭ ‬المستدامة

1- علاقة الوقف بالعمل التطوعي:

في إطار وصف علاقة الوقف بالعمل التطوعي، يمكن القول بكل وضوح أن الوقف هو مؤسسة أو منظومة تطوعية رائدة من حيث نشأتها وتطورها، تتميز باستدامتها وانطلاقها من دوافع دينية.

فقد شكل الوقف مصدراً رئيساً لكل عمل خيري طيب، وأسهمت أمواله في إذكاء روح الخير والعمل المثمر في ضمير المجتمع الإسلامي. وشكل ضمانة قوية لأوجه عديدة من البر والتكافل الاجتماعي، وامتاز عن سائر وجوه الإنفاق الخيري بكونه مضمون البقاء والاستمرار وذا مورد مالي وهدف محدد(19).

فالفكرة المحورية في المنظومة التطوعية هنا هي فكرة الصدقة الجارية التي تحولت إلى «نظام الوقف»، والذي غدا بناءً مؤسسيًّا متكاملاً من النواحي القانونية أو التشريعية (الفقهية) والإدارية، والاقتصادية، والمحاسبية. وقد أفضت التطورات التي لحقت به إلى أن أصبح بمثابة القاعدة المادية والمرجعية المعنوية للعمل التطوعي في معظم أشكاله الخدمية والإنتاجية والإنمائية بصفة عامة(20).

ثم إن الوقف هو ضمان لاستمرار عطاء المؤسسات التطوعية والخيرية، هذا ما أثبته التاريخ والواقع في عهود الخلافة الإسلامية، فالأوقاف هي حجر الأساس الذي قامت عليه الكثير من المؤسسات التطوعية في ديار المسلمين، فمن أجل نجاح واستمرار مشروع تطوعي خيري كانوا يقيمون له الوقف لينفق عليه من إيراده، ولا يكتفون بإنشاء المشروعات دون التفكير في مستقبلها وضمان استمرار تشغيلها. لذلك كانت هذه المؤسسات تقوم بدورها في المجتمع بغض النظر عن ما يحصل لها من طوارئ الزمان، أو لانصراف الاهتمام عن المشروع إلى غيره(21).

يجب‭ ‬أن‭ ‬تعمل‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬على‭ ‬إتاحة‭ ‬الفرصة‭ ‬للجمعيات‭ ‬البيئية‭ ‬لتطبيق‭ ‬وتطوير‭ ‬الوقف‭ ‬البيئي

وخلاصة القول إن الوقف في جوهره عبارة عن عبادة مالية، يتقرب بها الفرد إلى الله تعالى بالتنازل طائعًا مختارًا عن أمواله، أو عن بعضها، وإعادتها إلى المالك الحقيقي، وذلك بجعلها على حكم ملك الله تعالى، وهو – أي الوقف – في مظهره عبارة عن عمل تطوعي من الطراز الأول، كان له إسهام بارز في تأسيس الحضارة الإسلامية وفي تطوير عمرانها على طول تاريخها(22).

2- علاقة الوقف بالبيئة:

لقد قام الوقف بدور متميز في مجال حماية البيئة، بحسب ما أكدته الأدلة والشواهد في تاريخ الوقف الإسلامي.

فمثلاً نجد أن أموال الوقف قد وُقفت في تعبيد الطرق داخل المدن وتنظيفها، واستثمرت أموال الأوقاف في توفير الرعاية الصحية للحيوانات والطيور المريضة، بما في ذلك الطيور البرية، وهي ظاهرة لم يعرفها تاريخ العالم إلا في بلاد المسلمين، فقد أسهم نظام الوقف الإسلامي في تحقيق التنمية المستدامة وفي المحافظة على البيئة وأحيائها، الأمر الذي يمكن اعتباره بحق مفخرة من مفاخر حضارتنا الإسلامية(23).

ولعل من أوائل الأوقاف التي أنشئت في الإسلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانت أوقافاً ذات طابع بيئي مستدام. فقد كان صلى الله عليه وسلم أول من أنشأ وقفاً، وهو السبعة حوائط ( أي البساتين)، التي أوصى بها مخيريق اليهودي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يضعها حيث يشاء، فجعلها عليه الصلاة والسلام صدقة في سبيل الله. فلا شك أن وقف هذه البساتين للفقراء والمساكين يعني الاستمرار في الحفاظ على خصوبتها والاعتناء بأشجارها وإثمارها ومقاومة أية أضرار يلحق بها، كما أن استدامة هذه البساتين يسهم في توفير الأمن الغذائي. وهناك قصة بئر رومة بالمدينة المنورة التي  اشتراها عثمان بن عفان – رضي الله عنه – من صلب ماله، وتصدق بها على السابلة، كنتيجة لحث الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك، ومثل هذا النوع من الوقف لا يخفى دوره في توفير الأمن المائي.

وهناك العديد من الأمثلة بهذا الصدد؛ ومما يظهر للعيان دور وحجم مساهمة الوقف الإسلامي في إعمار الأرض وتحسين البيئة منسحباً على جميع مكوناتها من هواء وماء وتربة وغذاء، ومن ثم نجد أن الوقف الإسلامي رحمة للمسلمين – إن هم اتقوا الله عز وجل -، وحفاظاً على البيئة وإحياء لمواتها، وإبعاد أو قضاء على كل ضر قد ينزل بها(24).

ويمكن تأطير وتفعيل علاقة الوقف بالبيئة من خلال ما يمكن تسميته بـ(الوقف البيئي) والتي تم تناولها مسبقاً ضمن المفاهيم الأساسية. ويجدر بالذكر هنا أنه مع إهمال الوقف بشكل عام في الوقت الحاضر، تم إهمال وضياع دور الوقف في مجال حماية البيئة، حتى إن البعض اليوم قد يعتقد أنه لا علاقة للوقف بحماية البيئة لا من بعيد ولا من قريب، ولكن بما أن حماية البيئة في ظل تفاقم المشكلات البيئية صارت قضية مصيرية وملحة، فإنه صار من الواجب اليوم، وفي ظل المساعي لتطوير الوقف وإعادة دوره الحيوي، كما كان عليه في الماضي، أن يتم إحياء وتعزيز دور الوقف البيئي.

3- علاقة الوقف بالتنمية المستدامة:

تنامى في السنوات الأخيرة اهتمام دول العالم بموضوع التنمية المستدامة. وتعرف التنمية المستدامة بأنها التنمية التي تلبي حاجات الجيل الحاضر، دون أن تحد من قدرة الأجيال المقبلة في تلبية حاجاتهم(25)، فهي تدعونا إلى أن نكون منصفين مع المستقبل، حيث تهدف إلى أن يترك الجيل الحالي للأجيال القادمة رصيداً من الموارد مماثلاً للرصيد الذي ورثه أو أفضل منه. وتهتم التنمية المستدامة بالقضاء على الفقر وبتحسين جودة الحياة، وتهتم بإشراك واستفادة كل أفراد المجتمع من خيرات التنمية، أي تحقيق العدالة بين أبناء الجيل الواحد، كما تهتم بالبعد البيئي بشكل خاص، بخلاف النماذج التقليدية للتنمية التي تهتم بالإنتاج المادي.

وإذا ما تفحصنا غايات الوقف وآلية عمله، سنجد أنها منسجمة ومتناغمة مع التوجه المستدام للتنمية، فالوقف مثل التنمية المستدامة يقوم على آلية الاستدامة والربط بين الأجيال، وذلك عبر ضمانه أن تظل الأملاك الموقوفة مستغلة فيما عينت له، لا تباع ولا تتعرض إلى الإتلاف بسبب شهوة عارضة أو سوء تصرف، وبالتالي تظل أملاك الوقف تنتقل من جيل إلى آخر، الكل ينتفع بها دون نقصان بل إنها تتزايد مع الزمن. إلا أن الوقف يتميز عن التنمية المستدامة بأنه كشعيرة دينية يمتلك قيمة روحية ويتمتع بحماية الدين والعرف.

تكتسب‭ ‬الصناديق‭ ‬الوقفية‭ ‬أهمية‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬المشاركة‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الوقف

فمؤسسة الوقف رافد تنموي تنظر إلى المستقبل نظرتها إلى الحاضر، لأنها تبقي على الأصول المنتجة وتصونها وتنميها، وتولد منها عوائد تغطي النفقات الجارية للمؤسسات الدينية والصحية والتعليمية والاجتماعية(26)، فاستثمار أموال الوقف طريق من طرق المحافظة على هذه الأوقاف من الاضمحلال والخراب، فاستثمار العقار بتأجيره طريق من طرق المحافظة عليه وصيانته، وبقاؤه لزمن أطول يحقق الغرض منه، واستثمار الأرض بزراعتها طريق من طرق الحفاظ على بقائها صالحة للزراعة ومنتجة نتاجاً يعود نفعه على الموقوف عليهم، بل على المجتمع عامة(27).

وإذا كانت التنمية المستدامة تهتم بالمشاركة الشعبية، فإن الوقف بحد ذاته قائم على المشاركة الشعبية، حيث يقدم إطاراً واسعاً وفعالاً لإشراك الأفراد في مختلف أوجه التنمية. فالوقف بمنبعه الإيماني والديني يدفع الأفراد طواعية نحو خدمة مجتمعاتهم، إلى درجة أنه يعفي الدولة ذاتها من تحمل أعباء كثيرة. ومن الجوانب الإيجابية بهذا الصدد أنه من خلال آلية الوقف يتم تجاوز التخطيط البيروقراطي الفوقي وأحادي الاتجاه، الذي يفتقد إلى تفاعل السكان معه، لأنه غالباً لا يفي بحاجياتهم ورغباتهم المعيشية والتنموية.

وفي نفس الإطار، يتوافق الوقف مع حرص التنمية المستدامة على تطبيق سياسة اللامركزية والاعتماد على الذات؛ حيث يتميز الوقف بدوره في التنمية المحلية، إذ يوفر مصدراً تمويلياً بالاعتماد على القدرات المحلية الذاتية، وما يعزز ذلك اشتراط الواقف في وثيقة الوقف صرف ريع وقفه في نطاق قريته أو مدينته، وما يؤدي ذلك من نهوض اجتماعي محلي. وبالنسبة لعنصر «اللامركزية»، نجد أن الوقف تاريخياً لم يكن يدار مركزياً، بل وجدت إدارات متعددة غلبت عليها الصفة المحلية، وكان أساس عملها هو «التسيير الذاتي» وفقاً لشروط الواقف، وتحت إشراف القاضي، وبعيداً عن الاندماج في جهاز الإدارة الحكومية.

ويتقاطع الوقف مع التنمية المستدامة من حيث الاهتمام بالقضاء على الفقر، حيث لعب الوقف دوراً فعالاً في القضاء على الفقر في المجتمعات الإسلامية. وأخيراً ومن خلال الوقف البيئي يجاري الوقف في اهتمام التنمية المستدامة بحماية البيئة.

ثالثاً‭ – ‬تعزيز‭ ‬العمل‭ ‬التطوعي‭ ‬البيئي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إعادة‭ ‬تطبيق‭ ‬الوقف‭ ‬البيئي

1- أبعاد دور الجمعيات البيئية في الاستفادة من الوقف البيئي في تعزيز العمل التطوعي البيئي:

انطلاقاً من أن الجمعيات البيئية تشكل ركيزة أساسية في رفع وتيرة ونوعية العمل التطوعي البيئي، فإن هذه الجمعيات وخاصة بحكم تخصصها هي الأكثر مناسبة من غيرها في أن تسهم بفعالية في تعزيز العمل التطوعي البيئي من خلال إعادة تطبيق الوقف البيئي، وذلك بما يتماشى مع الاهتمام بتوسيع نطاق المشاركة الشعبية في الإسهام في الوقف والدعوة له بل وإدارته.

ثم إن الجمعيات البيئية بقاعدتها الشعبية وتنوع اختصاصات وخبرات أعضائها، وطريقة إدارتها، وتنظيم المناقشات والاجتماعات، وحماسية شبابها، وقوة الاندفاع والمبادرة لديهم، وغير ذلك من المميزات، جديرة بأن يتم الاعتماد عليها في إطار تطبيق وتطوير الوقف البيئي، وذلك بالمقارنة خاصة مع الأجهزة الحكومية التي يغلب عليها الروتين وتعقيد الأمور، ومن ثم فإن من المهم أن تعمل الدولة والمجتمع على إتاحة الفرصة لهذه الجمعيات ومنحها التشجيع المطلوب لتطبيق وتطوير الوقف البيئي.

فالوقف البيئي وإن كان له جذوره التاريخية، إلا أنه يعتبر أسلوباً حديثاً في إطار تطوير وإعادة إحياء الوقف، ومن ثم يفتقر إلى تعدد التجارب وتراكم الخبرات التطبيقية، ومازال بحاجة إلى تطوير وتأطير. ومن ثم فإن تطبيق الوقف البيئي وكيفية الاستفادة المثلى منه يتطلب إبداع الأفكار وابتكار المبادرات مع تبادل الخبرات. ويمكن للجمعيات البيئية، بحكم تخصصها البيئي ومزايا طابعها المؤسسي الشعبي، أن تنشط في هذا المضمار، وأن تنسق فيما بينها، وبإشراك الآخرين، على تنظيم المنتديات وحلقات النقاش والعصف الذهني للخروج بالنتائج المطلوبة.

وكمثال؛ في 2017 تم اعطاء الفرصة لجمعية الإمارات للحياة الفطرية بتطبيق مبادرة وقفية هي الأولى من نوعها  تتعلق بدعم البيئة من خلال الوقف، وذلك من خلال التنسيق مع مركز متخصص وهو مركز محمد بن راشد آل مكتوم العالمي لاستشارات الوقف والهبة، بحيث تعمل الجمعية على تحديد المؤسسات الخاصة التي تعمل على تقديم دعم مستدام للبرامج البيئية التي تتبناها ليتم منح هذه الجهات علامة دبي للوقف، وتتيح هذه العلامة للمؤسسات الخاصة الحاصلة عليها أفضلية في المشتريات والعقود مع حكومة دبي.

ولعل من أهم الفوائد المتوخاة من النجاح في نشر تطبيق الوقف البيئي، تعزيز القدرة على مواجهة إحدى العقبات الأساسية التي تواجه العمل البيئي، وهي عقبة الحصول على التمويل المطلوب للقيام بالأنشطة اللازمة لحماية البيئة، وهذه العقبة تعاني منها حتى الأجهزة البيئية الرسمية، ومن ثم فمن المنطقي والمفيد أن تحرص الجمعيات البيئية من جانبها، بغية التغلب على عقبة التمويل، أن تتبني الوقف البيئي كآلية تمويلية قائمة على القدرات المحلية الذاتية من خلال المشاركة الشعبية في التمويل، حيث إن تبني الجمعيات البيئية للوقف البيئي سيعزز لدى أفراد المجتمع أحد أشكال التطوع ذات الأهمية وهي التطوع بالمال، فالبعض قد يكون غير قادر أو لا يمتلك الوقت الكافي للتطوع لحماية البيئة من خلال العمل الميداني، ولكنه بدلاً من ذلك يمكن أن يتطوع بالمال، ومن ثم فمن المهم هنا توفير آلية مناسبة وموثوقة تجمع الأموال من مثل هؤلاء وكل من يرغب في التطوع بماله، ولعل آلية الوقف البيئي وخاصة مع بُعدها الديني يمكن أن تشجع وتدفع أكبر عدد ممكن على القيام بذلك.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن الصناديق الوقفية، باعتبارها صيغة وقفية مستحدثة، وضعت بحيث تلائم الواقع المعاصر وتعزز المشاركة الشعبية بشكل أوسع في التمويل الوقفي، وكذلك في الدعوة للوقف وإدارة مشروعاته، إذاً فمن من الأجدى أن تبدأ الجمعيات البيئية أولاً، في إطار سعيها للاستفادة من الوقف البيئي، بتبني إنشاء وتفعيل صندوق الوقف البيئي، وتبذل كافة الجهود في سبيل ذلك، وخاصة أن إنشاء مثل هذا الصندوق يمكن أن يشجع الجميع على المشاركة مهما صغرت حجم الأموال التي يرغبون التطوع بها.

2- الصناديق الوقفية كأداة لتوسيع نطاق المشاركة الشعبية في مجال الوقف:

الصناديق عبارة عن صيغة تنظيمية عصرية، هدفها توفير التمويل الكافي للمجالات التي تغطيها، وذلك في الوقت المطلوب، وبما يلبي الاحتياجات، ووفق اشتراطات محددة. والصندوق ككيان تنظيمي يتمتع بإدارة ذاتية واستقلالية نسبية، ويمارس مهامه من خلال مجلس إدارة.

وفي إطار جهود تطوير الوقف وتجديد دوره التنموي، تم استيعاب فكرة الصناديق وتكييف تطبيقها في مجال الوقف، فظهر ما يسمى بـ(الصناديق الوقفية) التي تجتمع فيها رؤوس أموال صغيرة لتشترك كلها في رأس مال كبير يسهم ريعه في دعم أوجه متعددة من أوجه البر والتنمية.

تعرف الصناديق الوقفية بأنها عبارة عن تجميع أموال نقدية من عدد من الأشخاص عن طريق التبرع والأسهم، لاستثمار هذه الأموال، ثم إنفاق ريعها وغلتها على مصلحة عامة تحقق النفع للأفراد والمجتمع، بهدف إحياء سنة الوقف وتحقيق أهدافه الخيرية التي تعود على الأمة والمجتمع والأفراد بالنفع العام والخاص، وتكوين إدارة لهذا الصندوق تعمل على رعايته، والحفاظ عليه، والإشراف على استثمار الأصول، وتوزيع الأرباح بحسب الخطة المرسومة(28). كما تعرف الصناديق الوقفية بأنها وعاء يتم فيه تجميع الصدقات الوقفية النقدية مهما كانت قليلة من مساهمين متعددين – يكونون عادة كثيرين – تقوم وتشرف عليه إدارة متخصصة تقوم بوظيفة ناظر الوقف  ليتم استثمار هذه الأموال والصرف من ريعها على الجهات التي حددها الواقفون(29). ومن أهم خصائص الصناديق الوقفية الآتي:

(أ) الصندوق الوقفي هو وقف نقدي، ويقصد بوقف النقود هو حبس النقود وتسبيل منفعتها المتمثلة في الأرباح الناتجة عن استثمارها.

(ب) الإنفاق على المشروعات يكون من عائد الاستثمار لأموال الصندوق الوقفي، وليس من الأموال ذاتها. فأموال الصندوق أموال وقف لا يجوز التصرف فيها، وينفق فقط من ريع الصندوق على المجال المحدد له.

(ج) يتخصص كل صندوق وقفي برعاية وجه من وجوه البر أو جانب من جوانب التنمية، وذلك بحسب ما يحدده قرار إنشاء الصندوق، ثم يدعو الصندوق المتبرعين إلى إنشاء أوقاف لخدمة غرضه الوقفي أو وجه الخير الذي يتخصص به.

(د) يكون للصندوق الوقفي شخصية اعتبارية، اذ يسجل على صفة وقف، وتوجه عوائد الصندوق إلى أغراض الوقف المحددة في وثيقة الاشتراك في الصندوق تحت إشراف ناظر الوقف.

(هـ) يقوم الصندوق الوقفي على تجميع أموال وقفية إما مباشرة أو عن طريق أسهم وصكوك وقفية ليتم استثمارها وتنمية ريعها وأرباحها وتوزيعها على الموقوف عليهم. وعلى أن يتم استثمار أموال هذه الصناديق من خلال الصيغ المعروفة في الفقه الاسلامي؛ كالمرابحة، السلم، الاستصناع، الإجارة، المزارعة، أو بالصيغ الشرعية الاستثمارية الحديثة، أو تستثمر أموالها في المصارف الاسلامية.

(و) الطبيعة النمائية للصندوق الوقفي، أي قابليته للنماء من خلال ما يدره من عوائد وأرباح. فالصندوق الوقفي هو وعاء تجتمع فيه أموال موقوفة تستخدم لشراء عقارات وممتلكات وأسهم وأصول متنوعة تدار على أساس أنها محفظة استثمارية لتحقيق أعلى عائد ممكن ضمن مقدار المخاطر المقبول.

(ز) توفير السيولة المطلوبة من خلال تجميع التبرعات في صندوق واحد، مما يعطي فرصة أكبر لتنمية وتثمير أموال الصندوق، وإنشاء مشروعات كبرى تحقق تنمية شاملة. وتكتسب الصناديق الوقفية أهمية كبيرة من حيث قدرتها على توسيع نطاق المشاركة الشعبية في مجال الوقف، فهي تتيح المجال بإشراك جميع فئات المجتمع في العملية الوقفية بغض النظر عن مستوياتهم الاجتماعية. ولعل السواد الأعظم من أفراد المجتمع الإسلامي المعاصر هم من الموظفين ومن صغار التجار، ولا يتوفر لديهم الأموال الكثيرة والثروة التي تمكنهم من إنشاء الأوقاف المستقلة مثل المدارس والمستشفيات وغيرها، ولكن من خلال الصندوق الوقفي يمكنهم دخول عالم الوقف وكسب ثواب الصدقة الجارية، بل والإسهام في المشروعات التنموية الكبرى، إذ إن المبالغ القليلة التي يتبرعون بها تجتمع في الصندوق لتصبح كبيرة مؤثرة.

كما يكمن عنصر المشاركة الشعبية في الصناديق الوقفية من خلال إتاحة إمكانية المشاركة في إدارة الصناديق ومشروعاتها والدعوة إلى الوقف فيها، حيث يتاح لذوي الخبرات والمهتمين بأنشطة كل صندوق أن يكونوا ضمن أعضاء مجلس إدارته، ويكونوا بمثابة ناظر على أموال الصندوق.

وميزة أخرى في هذا الإطار، وهي أن تعدد أغراض الصناديق الوقفية تمنح الفرصة أمام الراغبين في الوقف بالوقف حسب رغباتهم، فمنهم من يريد المساهمة في صناديق تخدم البيئة، ومنهم من يريد المساهمة في صناديق تخدم التعليم… وهكذا.

3- ضرورة اهتمام الجمعيات البيئية بإنشاء وتفعيل صندوق الوقف البيئي:

يكتسب صندوق الوقف البيئي كأحد أنواع الصناديق الوقفية أهمية خاصة ذات حيوية، إلى جانب امتلاكه للمزايا العامة لهذه الصناديق. وإذا ما أرادت الجمعيات البيئية أن تستفيد من الوقف البيئي وتنجح في نشر تطبيقه، فمن الأجدى لها أن تبدأ أولاً بتبني إنشاء وتفعيل صندوق الوقف البيئي، وتبذل كافة الجهود في هذا الصدد.

وصندوق الوقف البيئي هو صندوق وقفي متخصص في مجال البيئة، يوقف فيه الواقفون أموالهم بغرض تمويل الأنشطة والمشروعات التي تؤدي إلى حل أو مكافحة المشكلات البيئية، وتحسين الوضع البيئي، ورفع الوعي البيئي في المجتمع.

وبالتالي تكمن الأهمية الحيوية لصندوق الوقف البيئي في تخصصه في قضية هامة وهي حماية البيئة، والتي صارت بمثابة ضرورة حياتية في ظل تفاقم المشكلات البيئية في المجتمعات الإسلامية الحديثة، وخاصة أن وجود مثل هذا الصندوق سيسهم في حل إحدى العقبات الأساسية المتمثلة في صعوبة توفر التمويل المطلوب لمواجهة هذه المشكلات. ومن المهم أن تحرص الجمعيات البيئية، في إطار الدفع نحو إنشاء صندوق الوقف البيئي، أن تتولى هي إدارة هذا الصندوق أو تشارك في إدارته، وذلك في إطار الاهتمام بتعزيز عنصر المشاركة الشعبية في إدارة الصناديق الوقفية وتزويدها بالخبرات المتخصصة.

إن إنشاء صندوق الوقف البيئي سيعمل على تعزيز العمل التطوعي في مجال حماية من حيث دفعه لجميع من لديهم الرغبة في التطوع بالمال لحماية البيئة على المشاركة مهما قَلّ حجم الأموال التي يرغبون التطوع بها. كما أن صندوق الوقف البيئي يمثل فرصة سانحة ومجالاً يمكن أن تبدع فيه الجمعيات البيئية.

وإذا ما تولت الجمعيات البيئية فعلياً مسؤولية إدارة صندوق الوقف البيئي أو شاركت في إدارته، فيقع على عاتقها الاهتمام بالجوانب الآتية:

(أ) تسخير قدراتها في القيام بالدعاية المطلوبة والحملات التوعوية لشرح أهداف وأهمية صندوق الوقف البيئي وبما يسهم في توسيع نطاق الواقفين فيه، وذلك من خلال إبراز الدور الذي لعبه الوقف في حماية البيئة بحسب شواهد التراث الإسلامي، والأهمية الكبيرة لإعادة إحياء الوقف البيئي في الواقع المعاصر حيث تزداد تنوع ووتيرة المشكلات البيئية في ظل نقص التمويل المخصص لمواجهة هذه المشكلات، ومن ثم الحاجة للصندوق الوقف البيئي كأداة تمويلية شعبية.

(ب) دراسة تجارب الصناديق الوقفية القائمة والاستفادة من خبراتها وتجاربها، وخصوصاً الصناديق الوقفية البيئية مثل الصندوقين الآتيين:

1- الصندوق الوقفي للمحافظة على البيئة (الكويت): ويتبع هذا الصندوق الأمانة العامة للأوقاف في دولة الكويت. وقد تم إنشاؤه بمقتضى قرار وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية رقم (10) بتاريخ 17 أبريل 1995م. وتحددت أهداف الصندوق في الآتي: نشر الثقافة والوعي البيئيين بين الأفراد، وتبصيرهم بأهمية حماية البيئة، والإسهام في مشروعات المحافظة على البيئة وتخضيرها وتنميتها، دعم تنفيذ المشروعات المرتبطة بمكافحة التلوث البيئي، المشاركة في تدريب الكوادر الوطنية العاملة في مجالات البيئة، الإسهام في كل جهد ينشد تحسين البيئة وتطويرها إلى الأحسن، والتنسيق والتكامل مع الهيئات والجهات الحكومية والأهلية في هذا الميدان، وقد تم دمج هذا الصندوق في الصندوق الوقفي للتنمية الصحية في عام 2001م.

2- مصرف خدمة البيئة والحد من التلوث الوقفي (الشارقة): اشتمل المرسوم الأميري رقم 2 لسنة 1996م الذي بموجبه تم تأسيس الأمانة العامة للأوقاف في الشارقة، على أن تعمل الأمانة من خلال صناديق وقفية سماها المرسوم مصارف، من ضمنها مصرف خدمة البيئة والحد من التلوث الوقفي، ويهدف هذا المصرف إلى نشر الوعي البيئي ودعم مشروعات حماية البيئة، وإقامة الندوات الشبابية للمشاركة في المحافظة العامة، وغيرها من الفعاليات التي تهدف إلى حماية البيئة.

المراجع

(1) صالح بن محمد الصغير، الجهود التطوعية وسبل تنظيمها وتفعيلها، الملتقى الأول للجمعيات الخيرية في المملكة العربية السعودية، شعبان 1423هـ، الرياض. نقلاً عن: عبدالله حريري، العمل التطوعي رعاية اجتماعية، مؤتمر العمل التطوعي والأمن في الوطن العربي، الرياض، 1421هـ، ج1 (ب)،5.

(2) صحيح البخاري،  كتاب الصلاة، أبواب استقبال القبلة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره (رقم 467).

(3) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم (رقم 2586).

(4) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه (رقم 13).

(5) الراوي: عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، المحدث: الألباني، السلسلة الصحيحة، رقم (906).

(6) أخرجه أبو نُعَيم في الحلية.

(7) صحيح مسلم ، كتاب الإيمان ، باب بيان عدد شُعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء وكونه من الإيمان (35).

(8) مسند أحمد، باقي مسند الأنصار، أحاديث رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (رقم 22664).

(9) صحيح البخاري، كتاب المزارعة، باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه (رقم 2195).

(10) مسند أحمد، باقي مسند المكثرين، مسند أنس بن مالك رضي الله عنه (رقم 15569).

(11) ابن قدامة، المغني، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، 1981م. 5/597

(12) صحيح مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، (حديث رقم  1631).

(13) السيد سابق، فقه السنة، ط10، ج2، الفتح للإعلام العربي، القاهرة، 1993، ص307.

(14) حسن عبدالغني أبو غدة، دور الوقف الإسلامي في تنمية المجتمع، مجلة الوعي الإسلامي، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، العدد رقم (493)، الكويت 2006م.

(15) عادل عبدالرشيد، استراتيجية تطوير الوقف الاسلامي البيئي، مجلة أوقاف، العدد (28)، مايو 2015م، الأمانة العامة للأوقاف، الكويت، ص135.

(16) رواه البزار في مسنده، حسنه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع برقم (3596).

(17) الاتحاد الدولي لصون الطبيعة ومصلحة الأرصاد وحماية البيئة السعودية (1995)، حماية البيئة في الإسلام، سلسلة دراسات النظم والقوانين، رقم 20، الطبعة الثانية الموسعة، ص19.

(18) انظر: الشاطبي، إبراهيم بن موسى، الموافقات في أصول الشريعة، دار المعرفة 1996م، 2/333.

(19) إبراهيم محمود عبدالباقي، دور الوقف في تنمية المجتمع المدني، نموذج الأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت، رسالة دكتوراه منشورة، الناشر: الأمانة العامة للأوقاف، الكويت 2006، ص109.

(20) إبراهيم البيومي غانم، نظام الوقف.. ومنظومة التطوع

http://insanonline.net/news_details.php?id=800

(21 عيسى القدومي، الوقف الإسلامي والعمل التطوعي

https://www.al-forqan.net/articles/2000.html

(22) إبراهيم البيومي غانم، نظام الوقف.. ومنظومة التطوع، مرجع سابق.

(23) محمد عبدالقادر الفقي، دور الوقف الإسلامي في التنمية وحماية البيئة، مجلة الوعي الإسلامي، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت، العدد 493، 2006م.

(24) سالم مصباح زقزوق، الإسلام وقضايا البيئة، سلسلة كتاب البيئة 3، المجلس الأعلى للبيئة والمحميات الطبيعية، الدوحة 2005، ص161.

(25) اللجنة العالمية للبيئة والتنمية، مستقبلنا المشترك، سلسلة عالم المعرفة، رقم (142)،  إصدار المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت 1989، ص83.

(26)  إبراهيم محمود عبدالباقي، دور الوقف في تنمية المجتمع المدني، مرجع سابق، ص115.

(27) عبدالله بن موسى العمار، استثمار أموال الوقف، منتدى قضايا الوقف الفقهية الأول 11-13 أكتوبر 2003م، الأمانة العامة للأوقاف والبنك الإسلامي للتنمية، ط.1، إصدار الأمانة العامة للأوقاف الكويت 200، ص215.

(28) محمد مصطفى الزحيلي، الصناديق الوقفية المعاصرة، تكييفها، أشكالها، حكمها، ومشكلاتها، مؤتمر الأوقاف الثاني في جامعة أم القرى، الفترة 18-20 ذي القعدة 1427هـ.

(29) راشد بن أحمد العليوي، الصيغ الحديثة لاستثمار الوقف وأثرها في دعم الاقتصاد، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، مكة المكرمة 1420هـ.

 

You may also like

Leave a Comment